لما يترتب عليه من المصالح ، لأن التخلف عنه والقعود مذمّة لكم عندهما ، فضلا عن أنه يغضب رسول اللّه وأصحابه والمسلمين أجمع"إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ" (41) ما ترمي إليه هذه الدّعوة من النتائج الحسنة والخيرات الكثيرة والمبرات النّافعة ، ومذمّة ما ينشأ عن التخلف من العاقبة السّيئة والمضرات العامة والذل والهوان نزلت هذه الآيات في غزوة تبوك ، وذلك أن حضرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم بعد أن فتح مكة وغزا هوازن وحنين وأوطاس وحاصر ثقيفا بالطائف وفتحها وأتى الجعرانة احرم بالعمرة ، ثم رجع إلى المدينة أمر بغزو الرّوم ، وكان ذلك في شدة الحر وزمن عسرة وقلة وحاجة ، وكانت عادته صلّى اللّه عليه وسلم إذا أراد غزوة وريّ بغيرها إلا في غزوة تبوك ، فإنه جلّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا لعدوهم أهبة كاملة بكل ما يستطيعون من العدة والذهاب لاستقبالهم سفرا بعيدا ومفاوز وعدوا كبيرا كثيرا ذا عدد وعدد ، وكان ذلك في شهر رجب سنة تسع من الهجرة ، وهؤلاء الرّوم هم بنو الأصفر ، وإنما سمّوا روما لأن العيص بن إسحاق تزوج بنت إسماعيل عليه السلام فولدت له ولدا به صفرة فنسبوا إليه وسمي روما ، وتسمى هذه الغزوة غزوة العسرة ، لأنها كانت في سنة مجدبة ، وسببها أنه قد بلغ حضرة الرّسول تجمع الرّوم في تبوك لغزو المسلمين ، فجمع جموعه وقد أتى له عثمان رضي اللّه عنه بعشرة آلاف دينار ، فجعل يقلبها بيده ويقول ما على عثمان ما فعل بعد اليوم ، ثم أعان عثمان حضرة الرّسول أيضا بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وخمسين فرسا ، وجاءه أبو بكر رضي اللّه عنه بأربعة آلاف درهم ، وعمر رضي اللّه عنه بنصف ماله ، وعبد الرّحمن بن عوف بمئتي أوقية ، والعباس وطلحة بمال كثير ، وعاصم بن عدي بتسعين وسقا من تمر ، والنّساء بكل ما قدرن عليه من حليهنّ ، وبعد أن جهز جيشه المبارك بما قدر عليه سار على بركة اللّه بثلاثين ألفا ، وقد رأوا في