وقد وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن يستخلفهم في الأرض ويمكن لهم فيها، ويبدلهم من بعد خوفهم أمناً، ووعد الله حق، ووعد الله واقع، ولن يخلف الله وعده، وقد قال سبحانه وفعل ومكن للمؤمنين في الأرض في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعهد أصحابه رضي الله عنهم، وعهد من اقتفى أثرهم كما قال سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) } [النور: 55] .
إن حقيقة الإيمان الذي يتحقق به وعد الله للمؤمنين حقيقة ضخمة تستغرق النشاط الإنساني كله، وتوجه النشاط الإنساني كله.
فما تكاد تستقر في القلب حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط، وبناء وإنشاء كله موجه إلى الله، لا يبتغي به صاحبه إلا وجه الله.
وهي طاعة لله، واستسلام لأمره في الصغيرة والكبيرة، لا يبقى معها هوى في النفس، ولا شهوة في القلب، ولا ميل في الفطرة، إلا وهو تبع لما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله، خواطر نفسه، وخلجات قلبه، وحركات جسمه، ولفتات جوارحه، وسلوكه مع ربه في أهله ومع الناس، يتوجه بهذا كله إلى ربه: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) } [الأنعام: 162، 163] .
والشرك مداخل وألوان، وأقوال وأفعال، فالتوجه إلى غير الله بعمل أو شعور هو لون من ألوان الشرك بالله.
ذلك أن الإيمان منهج حياة كامل يتضمن كل ما أمر الله به، وتلك حقيقة الإيمان.