قال الفخر الرازي: اعلم أنه - تعالى - لما أخبر أن صدق الصادقين في الدنيا ينفعهم في القيامة شرح كيفية ذلك النفع وهو الثواب. وحقيقة الثواب: أنها منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فقوله: لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إشارة إلى المنفعة الخالصة عن الغموم والهموم، وقوله خالِدِينَ فِيها أَبَداً إشارة إلى الدوام. واعتبر هذه الدقيقة: فإنه أينما ذكر الثواب قال خالِدِينَ فِيها أَبَداً وأينما ذكر العقاب للفساق من أهل الإيمان، ذكر لفظ الخلود ولم يذكر معه التأييد، وأما قوله: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ فتحته أسرار عجيبة لا تسمح الأقلام بمثلها جعلنا الله من أهلها».
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية الدالة على شمول ملكه لكل شيء في هذا الكون فقال: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي: لله - تعالى - وحده دون أحد سواه الملك الكامل للسموات وللأرض ولما فيهن من كل كائن وهو - سبحانه - على كل شيء قدير لا يعجزه أمر أراده، ومن زعم أن له شريكا - سواء أكان هذا الشريك عيسى أم أمه أم غيرهما - فقد أعظم الفرية وتسر بل بالجهل، وكان مستحقا لخزي الدنيا، وعذاب الآخرة.
وقال - سبحانه - وَما فِيهِنَّ فغلب غير العقلاء، للإشارة إلى أن كل المخلوقات مسخرة في قبضة قهره وقدرته وقضائه وقدره وهم في ذلك التسخير كالجمادات التي لا قدرة لها. إذ أن قدرة سائر المخلوقات بالنسبة لقدرة الله كلا قدرة.
وإن هذه الآية الكريمة، لمتسقة كل الاتساق مع الآية التي قبلها، لأنه - سبحانه - بعد أن بين جزاء الصادقين في دنياهم عقبه ببيان سعة ملكه، وشمول قدرته الدالين على أن هذا الجزاء لا يقدر عليه أحد سواه - سبحانه - .