وقوله: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ بيان لانتهاء مهمته بعد فراقه لقومه.
أي: أنت تعلم يا إلهى بأنى ما أمرتهم إلا بعبادتك وبأنى ما قصرت في حملهم على طاعتك مدة وجودى معهم، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي يا إلهى أي: قبضتني بالرفع إلى السماء حيا، كنت أنت الرقيب عليهم، أي: كنت أنت وحدك الحفيظ عليهم المراقب لأحوالهم، العليم بتصرفاتهم.
الخبير بمن أحسن منهم وبمن أساء وأنت - يا إلهى - على كل شيء شهيد، لا تخفى عليك خافية من أمور خلقك.
هذا. وما ذهبنا إليه من أن معنى فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي أي: قبضتني بالرفع إلى السماء حيا قول جمهور العلماء.
ومنهم من يرى أن معنى فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي أي: أمتنى وزعموا أن رفعه إلى السماء كان بعد موته.
قال بعض العلماء مؤيدا ما ذهب أليه الجمهور قوله: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي أي فلما أخذتنى وافيا بالرفع إلى السماء حيا، إنجاء لي مما دبروه من قتلى، من التوفي وهو أخذ الشيء وافيا أي كاملا.
وقد جاء التوفي بهذا المعنى في قوله - تعالى - يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ....
ولا يصح أن يحمل التوفي على الإماتة، لأن إماتة عيسى في وقت حصار أعدائه له ليس فيها ما يسوغ الامتنان بها، ورفعه إلى السماء جثة هامدة سخف من القول، وقد نزه الله السماء أن تكون قبرا لجثث الموتى، وإن كان الرفع بالروح فقط، فأى مزية لعيسى في ذلك على سائر الأنبياء، والسماء مستقر أرواحهم الطاهرة فالحق أنه - عليه السلام - رفع إلى السماء حيا بجسده وروحه وقد جعله الله آية، والله على كل شيء قدير».