والمقصود بالاستفهام في قوله: أَأَنْتَ قُلْتَ توبيخ للكفرة من قومه وتبكيت كل من نسب إلى عيسى وأمه ما ليس من حقهما، وفضيحتهم على رءوس الأشهاد في ذلك اليوم العصيب، لأن عيسى سينفى عن نفسه أمامهم أنه قال ذلك وإنما هو أمرهم بعبادة الله وحده. ولا شك أن النفي بعد السؤال أبلغ في التكذيب وأشد في التوبيخ والتقريع وادعى لقيام الحجة على من وصفوه بما هو برئ منه.
قال الآلوسي: واستشكلت الآية بأنه لا يعلم أن أحدا من النصارى اتخذ مريم إلها.
وأجيب عنه بأجوبة الأول: أنهم لما جعلوا عيسى إلها لزمهم أن يجعلوا والدته أيضا كذلك لأن الولد من جنس من يلده، فذكر إِلهَيْنِ على طريق الإلزام لهم.
والثاني: أنهم لما عظموها تعظيم الإله أطلق عليها اسم الإله كما أطلق اسم الرب على الأحبار والرهبان في قوله: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ.
والثالث: أنه يحتمل أن يكون فيهم من قال بذلك. ويعضد هذا القول ما حكاه أبو جعفر الإمامى عن بعض النصارى أنه قد كان فيما مضى قوم يقال لهم: المريمية، يعتقدون في مريم الألوهية وهو أولى الأوجه عندي.
وقوله - تعالى - قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ بيان لما أجاب به عيسى على خالقه - عز وجل - .
أي: قال عيسى مجيبا ربه بكل أدب وإذعان: تنزيها لك - يا إلهى - عن أن أقول هذا القول، فإنه ليس من حقي ولا من حق أحد أن ينطق به.
فأنت ترى أن سيدنا عيسى - عليه السلام - قد صدر كلامه بالتنزيه المطلق لله - عز وجل - ثم عقب ذلك بتأكيد هذا التنزيه، بأن أعلن بأنه ليس من حقه أن يقول هذا القول، لأنه عبد له - تعالى - ومخلوق بقدرته. ومرسل منه لهداية الناس فكيف يليق بمن كان شأنه كذلك أن يقول لمن أرسل إليهم اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
ثم أضاف إلى كل ذلك الاستشهاد بالله - تعالى - على براءته، وإظهار ضعفه المطلق أمام علم خالقه وقدرته فقال - كما حكى القرآن عنه - إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ.