ونجد العجب في كف أيدي الكافرين عن رسول الله . فكل أجناس الوجود قد اشتركت في عملية كف أيدي الكافرين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء أكانت تلك الأجناس جماداً أم نباتاً أم حيواناً أم إنساناً ، نثر رسول الله التراب وهو جماد فأغشي به الكافرين ، وصار التراب من جنود الله .
وها هي ذي أسماء بنت أبي بكر تحمل الطعام لهم في الغار وهي ترعى الغنم ، والأغنام تجد الحشائش فترعاها وتزيل الأثر الذي أحدثه ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
لقد اشترك النبات في كف أيدي الكافرين عن رسول الله ، وكذلك الأغنام وهي من الحيوان ، وكذلك فرس سراقة التي ساخت وغاصت قوائمها في الأرض ، ثم الحمامة التي بنت عشها على الغار ، وكذلك العنكبوت الذي بنى بيته على الغار ، ورضخت كل جنود الله لأمر الله فشاركت في عملية كف أيدي الكافرين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والأعجب من ذلك أن الحق سبحانه وتعالى قد كف أيدي الكافرين بالكافرين ، فالرسول الذي جاء ليهدي الخلق ويسير بهم إلى النور من الظلمات ، نجد الذي يهديه في طريقه إلى المدينة هو أحد الكفار . وهكذا نرى أن هداية المعاني تستخدم هداية المادة ، والرسول هو الحامل لهداية المعاني يستخدم هداية المادة ممثلة في ذلك الكافر . ونعرف أن من جنود الإسلام في دار الهجرة كان اليهود - برغم أنوفهم - ألم يقولوا للأوس والخزرج: سيأتي من بينكم نبي نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم؟ فلما سمع الأوس والخزرج أن نبياً ظهر في مكة ، قالوا: هذا هو النبي الذي توعدتنا به اليهود ، فلا يسبقنكم إليه ، فسبقوا إليه وأسلموا وبايعوه ، فقد ورد أن يهودا كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل مبعثه ، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه .