وقال الأخفش: من ههنا زائدة، (والمعنى: فكلوا) ما أمسكن عليكم.
وقال غيره: هذا خطأ؛ لأن مِنْ لا تزاد في الواجب، وإنما تزاد في النفي والاستفهام. ومعنى (مِن) في: {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} [البقرة: 271] ابتداء الغاية، أي: يكفر (عنكم أعمالكم) التي تحبون أن تستر عنكم من سيئاتكم.
قال العلماء: إذا كان الضاري وهو الكلب معلمًا كما وصفنا، ثم صاد صيدًا (فجرحه) وقتله وأدركه الصياد ميتًا: فهو حلال وجرح الجارحة كالذبح، وكذلك الحكم في سائر الجوارح (المُعلَّمة، والسهم، والرمح، والمعراض وما جَرَح) تجده، فإن أصابه المعراض بعَرضه (فقتله ولم تدرك) ذكاته فهو حرام، (وإن صاده الكلب فجثم عليه) فغمّه وقتله بالغم من غير جُرح (لم يجز أكله عند كثير من العلماء، والقياس أنه حلال؛ لأنه مما أمسكه على صاحبه) ، والكلب لا يتعلم الجرح، (والذي يُتَصوّر عنده أنّ تسليمه إلى مرسله سليمًا) عن الجرح أحسن (في الاصطياد) .
هذا كله إذا لم يأكل، فإن أكل منه فقد اختلف فيه العلماء.
فعند ابن عباس وطاوس والشعبي وعطاء والسدي: أنه لا يحل ولا يؤكل.
قال ابن عباس: إذا أرسلت الكلب فأكل من صيده فهو (ميتة، لا يحل أكله) ؛ لأنه أمسكه (على نفسه) ولم يمسك عليك، ولم يتعلم ما علمته، فاضربه ولا تأكل من صيده.
وهذا (هو الأشهر) والأظهر من مذهب الشافعي، ويدل عليه ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعدي بن حاتم:"إذا أرسلت كلبك (فاذكر اسم الله) فإن أدركته لم يقتل (فاذبح) واذكر اسم الله، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل فكل، فقد أمسك عليك، وإن وجدته (وقد أكل) منه فلا تطعم منه (شيئاً فإنما) أمسك على نفسه".
وعند سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة أنه يحل وإن أكل (وهو أحد) قولي الشافعي.
ولا فرق فيما ذكرنا بين الطيور المعلمة والسباع المعلمة.