ويجوز أن يقال: قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ} ابتداء كلام وخبره: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} فيصبح الكلام من غير حذف وإضمار، وهو قول حسن.
وأما الجوارح: فهي الكواسب من الطير والسباع ذوات الصيد، والواحدة جارحة، والكلب الضاري جارحة، سميت جوارح؛ لأنها كواسب أنفسها، من: جرح واجترح، إذا اكتسب.
قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الطير تصيد، والكلاب، والفهود، وعناق الأرض، وسباع الطير، مثل: الشاهين والباشِق
والعقاب والزُّمَّج، فما اصطادت هذه الجوارح فقتلته فهو حلال.
وقال ليث: سئل مجاهد عن الصقر والبازي والفهد وما يَصطاد من السباع؟ فقال: هذه كلها جوارح.
وهذا قول جميع المفسرين إلا ما روي عن ابن عمر والضحاك أنهما قالا: الجوارح الكلاب دون غيرها، وما صاد غير الكلاب فلم يدرك ذكاته لم يحل أكله.
ومثل هذا يروى عن السدي أيضًا، وهو قول غير معمول به.
وقوله تعالى: {مُكَلِّبِينَ} .
المُكَلَّب: الذي يعلم الكلاب أخذ الصيد، ويقال للصائد مكلب؛ لأنه يعلم الكلب الصيد، قال الشاعر:
فبادَرَه عند الصبَاح مُكَلّبٌّ ... أزلّ كَسِرحَان الهَزيِمة أَغْبرُ
قال أهل المعاني: وليس في قوله: (مكلبين) دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة؛ لأنه بمنزلة قوله: مؤدبين.
وقوله تعالى: {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} .
قال الكلبي: تؤدبونهن لطلب الصيد أن لا يأكلن الصيد كما أدبكم الله.
قال العلماء: وصفة الكلب المعلم الذي يحل صيده هو أن يكون إذا أرسله صاحبه وأشلاه استشلى، وإذا أخذ الصيد أمسك ولم يأكل، وإذا دعاه أجابه، وإذا أراده لم يفرّ منه، فإذا فعل ذلك مرات فهو معلم.
وقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} .
(قال النحويون) : دخلت (من) في قوله (مما) للتبعيض؛ لأنه إنما أحل أكل بعضه وهو اللحم دون الفرث والدم.