وَدَلِيلٌ آخَرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ: وَهُوَ أَنَّهَا قَدْ قُرِئَتْ عَلَى وَجْهَيْنِ: {أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ} وَ {لَمَسْتُمْ} ، فَمَنْ قَرَأَ: {أَوْ لَامَسْتُمْ} فَظَاهِرُهُ الْجِمَاعُ لَا غَيْرُهُ لِأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ إلَّا فِي أَشْيَاءَ نَادِرَةٍ ، كَقَوْلِهِمْ:"قَاتَلَهُ اللَّهُ"وَ"جَازَاهُ وَعَافَاهُ اللَّهُ"وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَهِيَ أَحْرُفٌ مَعْدُودَةٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا أَغْيَارُهَا ؛ وَالْأَصْلُ فِي الْمُفَاعَلَةِ أَنَّهَا بَيْنَ اثْنَيْنِ ، كَقَوْلِهِمْ: (قَاتَلَهُ وَضَارَبَهُ وَسَالَمَهُ وَصَالَحَهُ) وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ حَقِيقَةَ اللَّفْظِ فَالْوَاجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْجِمَاعِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُمَا جَمِيعًا ؛ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّك لَا تَقُولُ (لَامَسْت الرَّجُلَ وَلَامَسْت الثَّوْبَ) إذَا مَسِسْته بِيَدِك لِانْفِرَادِك بِالْفِعْلِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: {أَوْ لَامَسْتُمْ} بِمَعْنَى: أَوْ جَامَعْتُمْ النِّسَاءَ ، فَيَكُونُ حَقِيقَتُهُ الْجِمَاعَ ؛ وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ وَكَانَتْ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: (أَوْ لَمَسْتُمْ) يَحْتَمِلُ اللَّمْسَ بِالْيَدِ وَيَحْتَمِلُ الْجِمَاعَ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى مَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنَى وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنَى وَاحِدًا فَهُوَ الْمُحْكَمُ ، وَمَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَهُوَ الْمُتَشَابِهُ