(والحقّ) هو الشريعة والقرآن، و {من ربّكم} متعلّق بـ {جاءكم} ، أو صفة للحقّ، و (من) للابتداء المجازي فيهما، وتعدية جاء إلى ضمير المخاطبين ترغيب لهم في الإيمان لأنّ الذي يجيء مهتمّاً بناس يكون حقّاً عليهم أن يتّبعوه، وأيضاً في طريق الإضافة من قوله {ربّكم} ترغيب ثان لما تدلّ عليه من اختصاصهم بهذا الدّين الذي هو آت من ربّهم، فلذلك أتي بالأمر بالإيمان مفرّعاً على هاته الجمل بقوله: {فآمنوا خيراً لكم} .
وانتصب {خيراً} على تعلّقه بمحذوف لازم الحذف في كلامهم لكثرة الاستعمال، فجَرى مجرى الأمثال، وذلك فيما دلّ على الأمر والنهي من الكلام نحو {انْتهوا خيراً لكم} [النساء: 171] ، ووراءك أوسعَ لك، أي تأخّر، وحسبك خيراً لك، وقول عمر بن أبي ربيعة:
فواعديه سَرْحَتَيْ مالِك ...
أو الرّبى بينهما.
أسْهَلا
فنصبه ممّا لم يُخْتَلف فيه عن العرب، واتّفق عليه أئمّة النحو، وإنَّما اختلفوا في المحذوف: فجعله الخليل وسيبويه فعلا أمراً مدلولاً عليه من سياق الكلام، تقديره: ايت أو اقصد، قالا: لأنّك لمّا قلت له: انته، أو افعل، أو حسبُك، فأنتَ تحمله على شيء آخر أفضل له.
وقال الفرّاء من الكوفيّين: هو في مثله صفة مصدر محذوف، وهو لا يتأتّى فيما كان منتصباً بعد نهي، ولا فيما كان منتصباً بعد غير متصرّف، نحو: وراءَك وحسبُك.
وقال الكسائي والكوفيّون: نصب بكان محذوفة مع خبَرها، والتقدير: يكن خيراً.
وعندي: أنّه منصوب على الحال من المصدر الذي تضمّنه الفعل، وحْدَه، أو مع حرف النهي، والتقدير: فآمنوا حال كون الإيمان خيراً، وحسبك حال كون الاكتفاء خيراً، ولا تفعل كذا حال كون الانتهاء خيراً.
وعود الحال إلى مصدر الفعل في مثله كعود الضمير إليه في قوله: {اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة: 8] ، لا سيما وقد جرى هذا مجرى الأمثال، وشأن الأمثال قّوة الإيجاز.
وقد قال بذلك بعض الكوفيين وأبو البقاء.
وقوله {وإن تكفروا} أريد به أن تبقوا على كفركم.
وقوله: {فإنّ لله ما في السماوات الأرض} هو دليل على جواب الشرط، والجواب محذوف لأنّ التقدير: إن تكفروا فإنّ الله غنيّ عن إيمانكم لأنّ لله ما في السماوات وما في الأرض، وصرّح بما حذف هُنا في سورة الزمر (7) في قوله تعالى: {إن تكفروا فإنّ الله غنيّ عنكم} وفيه تعريض بالمخاطبين، أي أنّ كفركم لا يفلتكم من عقابه، لأنَّكم عبيده، لأنّ له ما في السماوات وما في الأرض. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 4 صـ}