ويجيء على الوجهين في المراد من الذين كفروا في الآية الّتي قبلها أن يكون عطْفُ الظلممِ على الكفر في قوله: {إن الذين كفروا وظلموا} إمَّا أن يراد به ظلم النّفس ، وظلم النبي والمسلمين ، وذلك اللائق بأهل الكتاب ؛ وإمَّا أن يراد به الشرك ، كما هو شائع في استْعمال القرآن كقوله: {إنّ الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] ، فيكون من عطف الأخصّ على الأعمّ في الأنواع ؛ وإمّا أن يراد به التعدّي على النّاس ، كظلمهم النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجه من أرضه ، وتأليب النّاس عليه ، وغير ذلك ، وظلمهم المؤمنين بتعذيبهم في الله ، وإخراجهم ، ومصادرتهم في أموالهم ، ومعاملتهم بالنفاق والسخريّة والخداع ؛ وإمّا أن يراد به ارتكاب المفاسد والجرائم ممّا استقرّ عند أهل العقول أنَّه ظلم وعدوان.
وقوله: {لم يكن الله ليغفر لهم} صيغة جحود ، وقد تقدّم بيانها عند قوله تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب} في سورة آل عمران (79) ، فهي تقتضي تحقيق النفي ، وقد نفي عن الله أن يغفر لهم تحذيراً من البقاء على الكفر والظلم ، لأنّ هذا الحكم نِيط بالوصف ولم يُنط بأشخاص معروفين ، فإن هم أقلعوا عن الكفر والظلم لم يكونوا من الَّذين كفروا وظلموا.
ومعنى نفي أن يهديهم طريقاً: إن كان طريقاً يومَ القيامة فهو واضح: أي لا يهديهم طريقاً بوصلهم إلى مكان إلاّ طريقاً يوصل إلى جهنّم.
ويجوز أن يراد من الطريق الآيات في الدنيا ، كقوله: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] .
فنفي هديهم إليه إنذار بأنّ الكفر والظلم من شأنهما أن يخيّما على القلب بغشاوة تمنعه من وصول الهدي إليه ، ليحذر المتلبّس بالكفر والظلم من التوغّل فيهما ، فلعلَّه أن يصبح ولا مخلّص له منهما.
ونفي هدى الله أيّاهم على هذا الوجه مجاز عقلي في نفي تيسير أسباب الهدى بحسب قانون حصول الأسباب وحصول آثارها بعدها.