فإذا قاموا إلى الصلاة، قاموا كسالى؛ لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية في شأنها ولا يعقلون معناها. ومن ثم يقومون إليها كسالى. وهذه صفة ظاهرهم في أدائها، وأما صفة بواطنهم الفاسدة، فهي أنهم لا إخلاص لهم فيها. وإنما يؤدونها مراءاة للناس، ومصانعة لهم. ثم هم في صلاتهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون. ثم زادنا الله بصيرة في شأن المنافقين، فوصفهم بالحيرة، والتردد بين الإيمان، والكفر، والمؤمنين، والكافرين. فلا هم مع المؤمنين ظاهرا، وباطنا. ولا هم مع الكافرين ظاهرا، وباطنا. بل ظواهرهم مع المؤمنين، وخاصة عند ما تكون الغلبة للمؤمنين. وبواطنهم مع الكافرين. ومنهم من يعتريه الشك. فتارة يميل إلى هؤلاء، وتارة يميل إلى أولئك.
وذلك علامة من أراد الله إضلاله: أن لا تجد له طريقا واضحا. وبعد أن اتضحت
حال المنافقين، وأن أساس نفاقهم هو موالاة الكافرين، نهى الله عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين. أي: نهى عن مصاحبتهم، ومصادقتهم، ومناصحتهم، وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم. ثم حذر أنه إن فعلنا ذلك، فإننا نكون قد جعلنا الحجة قائمة علينا في استحقاقنا عقوبة الله.
ثم بين الله - عزّ وجل - ما أعده من عقوبة للمنافقين، جزاء على كفرهم الغليظ.
وهو استحقاقهم العذاب في أسفل النار، في توابيت من نار، مغلقة عليهم، مقفلة.
وأنهم لا ناصر لهم من الله ينقذهم مما هم فيه. ويخرجهم من أليم العذاب. ثم أخبر تعالى أنه من تاب منهم في الدنيا، تاب الله عليه، وقبل ندمه إذا أخلص في توبته، وأصلح عمله، واعتصم بربه في جميع أمره، وبدل الرياء بالإخلاص. فعندئذ يكونون في زمرة المؤمنين. ينالهم ما ينالهم من الأجر العظيم. ثم أخبر تعالى عن غناه عما سواه وأنه
إنما يعذب العباد بذنوبهم، وأنه منزه - تعالى - أن يعذب من أصلح العمل وآمن. إذ إنه تعالى يشكر من شكر له. ومن آمن علم ذلك منه وجازاه على ذلك أوفر الجزاء.