والثاني: في احتمال المتواتر من الأخبار الغلط والكذب؛ وذلك أنه قيل في القصة: إن اليهود طلبت عيسى - عليه السلام - ليقتلوه، فحاصروه في بيت ومعه نفر غير أصحابه من الحواريين، فأدركهم المساء؛ فباتوا يحرسونه؛ فأوحى اللَّه - تعالى - إلى عيسى - عليه السلام -: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) ؛ فأخبر أصحابه، وقال: أيكم يحب أن يلقى عليه شبهي فيقتل، ويجعله اللَّه يوم القيامة معي وفي درجتي؟ فقال رجل منهم: أنا يا رسول اللَّه؛ فألقى اللَّه - تعالى - عليه شبهه ورفع عيسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، فلما أصبح القوم أخذوا الذي ألقى اللَّهُ عليه شبهه؛ فقتلوه، وصلبوه.
وقيل: إنه أُلقي شبهه على رجل من اليهود.
وقيل: إنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما هموا بقتله التجأ إلى بيت، فدخل فيه، فإذا هم قد جاءوا في طلبه، فدخل رجل منهم البيت ليقتله، فأبطأ عليهم؛ فظنوا أنه قد قتله، فلما خرج وقد أُلقي شبهه عليه؛ فقتلوه، وقالوا لما قتلوا ذلك الرجل، وعندهم أنه عيسى؛ لما كان به شبهه، ثم لم يكن ذلك عيسى فلا يمنع أيضًا أن ما يشاهد ويعاين أنه - في الحقيقة - على غير ذلك، كما شاهد أُولَئِكَ القوم وعاينوا، وعندهم أنه عيسى، ثم لم يكن، واللَّه أعلم.
ثم الخبر - أيضًا - قد تواتر فيهم بقتل عيسى، فكان كذبًا ما يمنع - أيضًا - أن الأخبار المتواترة يجوز أن تخرج كذبًا وغلطًا.
قيل: أما الخبر بقتله إنما انتشر عن ستة أو سبعة؛ على ما ذكر في القصة، والخبر الذي كان انتشاره بذلك القدر من العدد، هو من أخبار الآحاد عندنا.
وأما قوله - تعالى -: (وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) .