الثالث: أن"السهروردي"لم يكن عالما بأصول الشرائع والنبوات على الوجه المعتبر فيها، حتى يكون قوله حجة لها وعليها. إنما كان علمه فلسفة محضة وعقليات صرفة وليس له تصنيف إلا في ذلك كاللمحات والألواح والإسراف وغيرها.
وهذه"التنقيحات"، لا يعتمد عليها من المسلمين في أصول الفقه إلا من هو على طريقه في الانحراف إلى الفسلفة، والخلو
من علم النبوة وقد رأيتها وهي كثيرة التشكيك، لا يكاد يبني شيئا إلا ويهدمه، ولا ينصر قولا إلا ويخذله وأنت أيها الخصم قد قدمت عند ذكرك ضرورة الخلق إلى النبوة ومنفعتها: أن العقل لا يستقل بإدراك الأمور الإلهية بدون تأييد إلهي.
الرابع: قوله:"لو لم يصلب المسيح لم يبق على المحسوسات اعتمادا إن أراد لم يبق عليها اعتماد مع عدم المعارض لها فلا نسلم أن ذلك لازم لعدم صلب المسيح، وإن أراد مع وجود المعارض فهو صحيح، فإن مدارك العلم إما حس أو عقل أو مركب منهما. وكلها قد تخلف مع وجود المعارض أما الحس فكما في التخييلات السحرية والشعبذية وكعدم إدراك الصوت"
للصمم، والريح للجسم والطعم للمرة، واللمس لفساد في اللثه، أو لعله في محله، وأما العقل فكما يعرض للإنسان عند غلبة السوداء أو الحزن أو الفرح المفرطين أو السكر ونحوه من المغيبات
كالنوم والإغماء فإنه يرى الحقائق فقلبة، والأمور مضطربة، وأما المركب منهما فكخبر الواحد وإذا كان في طريقة كذاب. وكالتواتر إذا فقد فيه شرط.
وأما البرهان على أن المسيح لم يصلب ولم يقتل فهو: أن قتله إن لم يكن كولادته من غير ذكر، فهو مثله في الشهرة، ولابد.
ثم إن ولادته من غير ذكر لما كان له وجود، تواتر تواتراً، لم يختلف فيه اثنان منا ومنكم، فلما اختلفنا في قتله، دل على أنه لم يبلغ تلك المرتبة من التواتر، فلم يثبت بمجرد الدعاوى أو الحجج الضعيفة وإنما كان الأمر في ذلك مشتبها كما نص عليه القرآن فاشتبه عليكم.
يؤكد ذلك: أن المسيح طبق ذكره الآفاق، لما ظهر على يده من الخوارق وقتل مثل هذا لا يقبل بمثل هذا النزاع لا يجب له في مطرد العادات من الشهرة والغلبة، وإذا كان يحيى وزكريا دونه في الشهرة بكثير، ثم لم يختلف في قتلها. فما الظن بالمسيح الذي أجمعنا على أنه أفضل أبناء إسرائيل وأنتم تدعونه إلها؟. انتهى انتهى {الانتصارات الإسلامية، للطوفي} ...