والثاني: أن مذهب أبي حنيفة أن خبر الواحد إذا ورد على خلاف القياس لم يقبل ، ولهذا السبب فإنه لم يقبل خبر المصراة مع أنه لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأن القياس يخالفه إذا ثبت هذا فنقول قد بينا أن صريح العقل ناطق بإن إظهار هذه الكلمة أولى من إخفائها ، فلأي سبب رجح قول أنس وقول ابن المغفل على هذا البيان الجلي البديهي ؟ والثالث: أن من المعلوم بالضرورة أن النبي عليه السلام كان يقدم الأكابر على الأصاغر ، والعلماء على غير العلماء ، والأشراف على الأعراب ، ولا شك أن علياً وابن عباس وابن عمر كانوا أعلى حالاً فِي العلم والشرف وعلو الدرجة من أنس وابن المغفل ، والغالب على الظن أن علياً وابن عباس وابن عمر كانوا يقفون بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أنس وابن المغفل يقفان بالعبد منه ، وأيضاً أنه عليه السلام ما كان يبالغ فِي الجهر امتثالاً لقوله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا}
[الإسراء: 110] وأيضاً فالإنسان أول ما يشرع فِي القراءة إنما يشرع فيها بصوت ضعيف ثم لا يزال يقوى صوته ساعة فساعة ، فهذه أسباب ظاهرة فِي أن يكون علي وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة سمعوا الجهر بالتسمية من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن أنساً وابن المغفل ما سمعاه.
الرابع: قال الشافعي: لعل المراد من قول أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالحمد لله رب العالمين أنه كان يقدم هذه السورة فِي القراءة على غيرها من السور فقوله الحمد لله رب العالمين المراد منه تمام هذه فجعل هذه اللفظة اسماً لهذه السورة.
الخامس: لعل المراد ، من عدم الجهر فِي حديث ابن المغفل عدم المبالغة فِي رفع الصوت ، كما قال تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا}
[الإسراء: 110] .
السادس: الجهر كيفية ثبوتية ، والإخفاء كيفية عدمية ، والرواية المثبتة أولى من النافية.