الحجة الأولى: قد دللنا على أن التسمية آية من الفاتحة ، وإذا ثبت هذا فنقول: الاستقراء دل على أن السورة الواحدة إما أن تكون بتمامها سرية أو جهرية ، فأما أن يكون بعضها سرياً وبعضها جهرياً فهذا مفقود فِي جميع السور ؛ وإذا ثبت هذا كان الجهر بالتسمية مشروعاً فِي القراءة الجهرية.
الحجة الثانية: أن قوله بسم الله الرحمن الرحيم لا شك أنه ثناء على الله وذكر له بالتعظيم فوجب أن يكون الإعلان به مشروعاً لقوله تعالى: {فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}
[البقرة: 200] ومعلوم أن الإنسان إذا كان مفتخراً بأبيه غير مستنكف منه فإنه يعلن بذكره ويبالغ فِي إظهاره أما إذا أخفى ذكره أو أسره دل ذلك على كونه مستنكفاً منه ، فإذا كان المفتخر بأبيه يبالغ فِي الإعلان والإظهار وجب أن يكون إعلان ذكر الله أولى عملاً بقوله: {فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}
[البقرة: 200] .
الحجة الثالثة: هي أن الجهر بذكر الله يدل على كونه مفتخراً بذلك الذكر غير مبالٍ بإنكار من ينكره ، ولا شك أن هذا مستحسن فِي العقل ، فيكون فِي الشرع كذلك ؛ لقوله عليه السلام:
"ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن"ومما يقوي هذا الكلام أيضاً أن الإخفاء والسر لا يليق إلا بما يكون فيه عيب ونقصان فيخفيه الرجل ويسره ، لئلا ينكشف ذلك العيب.
أما الذي يفيد أعظم أنواع الفخر والفضيلة والمنقبة فكيف يليق بالعقل إخفائه ؟ ومعلوم أنه لا منقبة للعبد أعلى وأكمل من كونه ذاكراً لله بالتعظيم ، ولهذا قال عليه السلام:"طوبى لمن مات ولسانه رطب من ذكر الله"وكان علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: يا من ذكرُه شرف للذاكرين.