فتلك الأوجه الثلاثة لم يرجح أبو السعود أحدها وسوى بينها؛ حيث ختم كلامه بقوله:"وأيًّا ما كان فهو كلام مستأنف سيق لبيان بعض الأمور المتعلقة بغزوة أحد إثر بيان بعض ما يتعلق بغزوة بدر" [1] .
وكذلك مما ترك الترجيح فيه قوله - تعالى اسمه-: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] .
تعددت أوجه النصب في المصدر المؤول (أن ينكح) فهو - كما ذكر أبو السعود - إما مفعول صريح ل (طولا) إعمالا للمصدر المنون كأنه قيل: ومن لم يستطع منكم أن ينال نكاحهن، وإما بتقدير حرف الجر أي: ومن لم يستطع منكم غنًى إلى نكاحهن أو لنكاحهن، وإما بدل من (طولا) ؛ لأن الطول فضل والنكاح قدرة، وإما مفعول به ل (يستطع) و (طولا) مصدر مؤكد له بمعناه؛ إذ الاستطاعة هي الطول، أو تمييز أي: ومن لم يستطع منكم نكاحهن استطاعة أو من جهة الطول والغنى [2] .
ومما ترك فيه الترجيح أيضًا ما جاء في قوله- تعالى-: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [المائدة: 4] .
ذكر أبو السعود أن جملة (فكلوا) جواب الشرط، وذلك على تقدير كون (ما) في (وما علمتم) شرطية، وعلى تقدير كونها موصولة فهي مبتدأ وجملة (فكلوا) في محل رفع خبر لها، وأما على تقدير كونها عطفًا على (الطيبات) فإن (فكلوا) جملة متفرعة على بيان حل صيد الجوارح المعلَّمة داخلة تحت الأمر ب (قل) [3] .
وكذلك ما جاء في قوله - عز اسمه-: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} [الأنعام: 94] .
ذكر - رحمه الله - في توجيه (كما خلقناكم) أنه منصوب بدل من (فرادى) ، أي: على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد، أو حال ثانية عند من يجوز تعددها، أو حال من الضمير في فرادى)، أي: مشبهين ابتداء خلقكم
(1) تفسير أبي السعود 2/ 133.
(2) السابق 2/ 269.
(3) انظر: تفسير أبي السعود 2/ 430.