فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 519

فأما القراءة ببناء (أسس) للفاعل، فلأنه الباني والمؤسس فأسند الفعل إليه وبناه له، كما أضاف البنيان إليه في قوله: (بنيانه) ، فكما أن المصدر مضاف إلى الفاعل كذلك يكون الفعل مبنيًا له. ومن بنى الفعل للمفعول به لم يبعد أن يكون في المعنى كالأول، لأنه إذا أسس بنيانه فتولى ذلك غيره بأمره كان كبنيانه هو له [1] .

ومن شواهد التعدد بين نائب الفاعل، والمفعول به ما جاء في قوله - تعالى-: {مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ} [الحجر: 8] .

قال أبو السعود:" (ما ننزِّل الملائكة) بالنون على بناء الفعل لضمير الجلالة من التنزيل، وقرئ (تُنَزَّلُ) مضارعًا من التنزُّل على صيغة البناء للمفعول" [2] .

أورد أبو السعود في النص السابق قراءتين: أولاهما (نُنَزِّل) بنون العظمة مبينًا للفاعل ونصب (الملائكة) ، والثانية (تُنَزَّلُ) بالتاء مبنيًا للمفعول ورفع (الملائكة) [3] .

ف (الملائكة) على القراءة الأولى - وهي المشهورة- مفعول به، وعلى القراءة الثانية نائب عن الفاعل، لزم ذلك من تغيير البنية الصرفية للفعل [4] .

وحجة من قرأ بنونين أنه أتى به على الإخبار من الله - جل ذكره- عن نفسه، وهو الأصل؛ لأن كل شيء لا يكون إلا عن إرادة الله، وقد قال: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ} [الأنعام: 111] ، ويقوي ذلك أن قبله إخبارًا من الله عن نفسه في قوله: (وما أهلكنا) فجرى الإخبار على ذلك.

وحجة من قرأ بضم التاء ورفع الملائكة أنه جعله فعلًا لم يسم فاعله؛ لأن الملائكة لا تَنزِل حتى تُنَزَّل، والأمر ليس لها في النزول، إنما ينزلها غيرها، وهو الله لا إله إلا هو [5] .

ومن شواهده أيضًا ما أورده أبو السعود في قوله -تعالى-: {أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ} [الأحقاف: 16] .

(1) الحجة للفارسي 4/ 220، 221 بتصرف.

(2) تفسير أبي السعود 4/ 281 بتصرف.

(3) قرأ حفص وحمزة والكسائي وخلف العاشر (ما ننزل) بنونين الأولى مضمومة والثانية مفتوحة وكسر الزاي مبنيًا للفاعل ونصب (الملائكة) ، وقرأ شعبة (ما تُنَزَّل) بضم التاء وفتح النون والزاي مشددة على البناء للمفعول، ورفع (الملائكة) . انظر: تحبير التيسير لابن الجزري 7/ 427، الإتحاف 2/ 174.

(4) انظر: المغني لمحيسن 2/ 306.

(5) الكشف لمكي 2/ 29 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت