وقال لِأَبِي دَاوُد شَرْطُ النِّيَّةِ شَدِيدٌ حُبِّبَ إلَيَّ فَجَمَعْته وَسَأَلَهُ ابن هانيء يَطْلُبُ الحديث بِقَدْرِ ما يَظُنُّ أَنَّهُ قد انْتَفَعَ بِهِ قال الْعِلْمُ لَا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ
وَنَقَلَ ابن مَنْصُورٍ أن تَذَاكُرَ بَعْضِ لَيْلَةٍ أَحَبُّ إلي أَحْمَدَ من أحيائها وَإِنَّهُ الْعِلْمُ الذي يَنْتَفِعُ بِهِ الناس في أَمْرِ دِينِهِمْ قُلْت الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالطَّلَاقُ وَنَحْوُ هذا قال نعم
قال شَيْخُنَا من فَعَلَ هذا أو غَيْرَهُ مما ( (( ومما ) ) ) هو خَيْرٌ في نَفْسِهِ لِمَا فيه من الْمَحَبَّةِ له لَا لِلَّهِ وَلَا لِغَيْرِهِ من الشُّرَكَاءِ فَلَيْسَ مَذْمُومًا بَلْ قد يُثَابُ بِأَنْوَاعٍ من الثَّوَابِ إمَّا بِزِيَادَةٍ فيها وفي أَمْثَالِهَا فَيَتَنَعَّمُ بِذَلِكَ في الدُّنْيَا وَلَوْ كان كُلُّ فِعْلٍ حَسَنٍ لم يُفْعَلْ لِلَّهِ مَذْمُومًا لَمَا أُطْعِمَ الْكَافِرُ بِحَسَنَاتِهِ في الدُّنْيَا لِأَنَّهَا تَكُونُ سيآت ( (( سيئات ) ) ) وقد يَكُونُ من فَوَائِدِ ذلك وَثَوَابِهِ في الدُّنْيَا أَنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ إلَى أَنْ يَتَقَرَّبَ بها إلَيْهِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ طَلَبْنَا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأَبَى أَنْ يَكُونَ إلَّا لِلَّهِ وَقَوْلِ آخر ( (( الآخر ) ) ) طَلَبُهُمْ له نِيَّةٌ يَعْنِي نَفْسُ طَلَبِهِ حَسَنَةٌ تَنْفَعُهُمْ
وَهَذَا قِيلَ في الْعِلْمِ لِأَنَّهُ الدَّلِيلُ الْمُرْشِدُ فإذا طَلَبَهُ بِالْمَحَبَّةِ وَحَصَّلَهُ وَعَرَفَهُ بِالْإِخْلَاصِ فَالْإِخْلَاصُ لَا يَقَعُ إلَّا بِالْعِلْمِ فَلَوْ كان طَلَبُهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْإِخْلَاصِ لَزِمَ الدَّوْرُ وَعَلَى هذا ما حَكَاهُ أَحْمَدُ وهو حَالُ النُّفُوسِ الْمَحْمُودَةِ وَمِنْ هذا قَوْلُ خَدِيجَةَ لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم كَلًّا وَاَللَّهِ لَا يُخْزِيك اللَّهُ فَعَلِمْت أَنَّ النَّفْسَ الْمَطْبُوعَةَ على مَحَبَّةِ الْأَمْرِ الْمَحْمُودِ وَفِعْلِهِ لَا يُوقِعُهُ اللَّهُ فِيمَا يُضَادُّ ذلك
وفي الْفُنُونِ إذَا أَنْعَمَ اللَّهُ على عَبْدٍ نِعْمَةً أَحَبَّ أَنْ يَظْهَرَ عليه أَثَرُهَا وَمِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ حَبَّبَ إلَيَّ الْعِلْمَ فَهُوَ أَسْنَى الْأَعْمَالِ وَأَشْرَفُهَا وَاخْتَارَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا
وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ فِيمَنْ يَطْلُبُ الْعِلْمَ وَتَأْذَنُ له وَالِدَتُهُ وهو يَعْلَمُ أَنَّ الْمُقَامَ أَحَبُّ إلَيْهَا قال إنْ كان جَاهِلًا لَا يَدْرِي كَيْفَ يُطَلِّقُ وَلَا يُصَلِّي فَطَلَبُ الْعِلْمِ أَحَبُّ إلَيَّ وَإِنْ كان قد عَرَفَ فَالْمُقَامُ عليها أَحَبُّ إلَيَّ وَهَذَا لَعَلَّهُ يُوَافِقُ على أَفْضَلِيَّةِ الْجِهَادِ ما سَبَقَ من رِوَايَةِ حَرْبٍ وَابْنِ هانيء
وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ هُنَا يَدُلُّ على أَنَّ من الْعِلْمِ ما يَقَعُ نَفْلًا وَجَزَمَ بِهِ في الرِّعَايَةِ في الْجِهَادِ في طَلَبِ الْعِلْمِ بِلَا إذْنٍ وَصَرَّحَ بِهِ من الْأَئِمَّةِ إِسْحَاقُ نَقَلَهُ ابن مَنْصُورٍ لِأَنَّهُ تَعَارُضَ بين نَفْلٍ وَوَاجِبٍ فَيَجِبُ من الْقُرْآنِ ما يُجْزِي الصَّلَاةَ وهو الْفَاتِحَةُ على