وقوله: مَنْ يَعْمَلْ [سُوءاً] } يُجْزَ بِهِ: عامّ، و (بل) مقدّر فيه، أي: الوعيد شامل على اعتبار الأفعال من دون الذّوات، إذ الذّوات لا توجب ثوابا ولا عقابا.
روي لمّا نزلت هذه الآية خاف أبو بكر الصّدّيق خوفا شديدا، وأظهر ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال صلّى الله عليه وسلّم: أمّا أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا وأمّا الآخرون فيجمع ذلك عليهم حتى يجزوا به في الآخرة، وفي بعض الرّوايات: ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست يصيبك البلاء؟ ومصداق ذلك قوله: {وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} (30) [الشّورى:30] .
124 - {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ:} اشتراط الإيمان يدلّ على أنّ غير المؤمن قد يعمل صالحا، وذلك ما يحمد في العقل كالسّخاء والوفاء وصلة الأرحام والصّدق، وإنّما شرط الإيمان؛ لأنّ الجنّة حرام على غير المؤمن، وقد أحبط عمله بكفره وابتغائه غير وجه الله ومنّه على من أنعم عليه.
125 - {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً:} ليس أحد أحسن دينا.
{أَسْلَمَ:} أخلص.
{وَجْهَهُ:} أمره، مقبلا معترفا بالتّوحيد.
{وَهُوَ مُحْسِنٌ:} يدلّ أنّ إحسان العمل فرع الإيمان والإسلام.
{حَنِيفاً:} حال لمن أسلم.
{وَاتَّخَذَ اللهُ} إِبْراهِيمَ خَلِيلاً: أي: جعله مخصوصا بالولاية.
فيه ترغيب في الإسلام والإحسان، وزجر عن العمل السّيّئ.
127 - {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ:} فصل مبتدأ في ذكر النّساء مرتّب على الفصل الأوّل في هذه السّورة عائد إليه.
و (الاستفتاء) : طلب الإفتاء، وهو الإجابة ببيان الحكم.
{وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ:} إلى قوله: {تَنْكِحُوهُنَّ:} في محلّ الجرّ معطوف على الضّمير في {فِيهِنَّ} ، وتقديره: ويستفتونك في حكم البالغات وفي ما يتلى عليكم من حكم اليتامى؛ النساء غير البالغات أيضا.
{لا تُؤْتُونَهُنَّ:} أي: اللواتي لا تؤتونهنّ ما أوجب لهنّ من مهر المثل.
{وَتَرْغَبُونَ:} في نكاحهنّ بالمهر القليل. وهذا التفسير للإقساط المنفيّ المتقدّم ما هو.
وإفتاؤه سبحانه وتعالى فيهنّ جميعا ما بيّن من حكم أنكحتهنّ ومواريثهنّ صغائر وكبائر، وبيّن في حكم مواريث المستضعفين.
{وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ:} أي: ويفتيكم في قيامكم لليتامى بالقسط أيضا عند الوصيّة وقسم المواريث.