{وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} أي: فاعملوا للأعراض الباقية عنده ، فإنها خير من الأمور الفانية عندكم ، وفوضوا أمر الرزق إليه بالتوكل ، والثقة بفضله ؛ فإنه خير الرازقين .
تنبيهات:
الأول: قال الرازي: وجه تعلق آية الجمعة بما قبلها ، هو أن الذين هادوا يفرون من الموت لمتاع الدنيا وطيباتها ، والذين أمنوا يبيعون ويشرون لمتاع الدنيا وطيباتها كذلك . فنبههم الله تعالى بقوله:
{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} أي: إلى ما ينفعكم في الآخرة ، وهو حضور الجمعة ، لأن الدنيا ومتاعها فانية ، والآخرة وما فيها باقية . قال تعالى:
{وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: 17] . ووجه آخر في التعلق ، قال بعضهم: قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث: افتخروا بأنهم أولياء الله وأحباؤه فكذبهم بقوله:
{فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 94] ، وبأنهم أهل الكتاب ، والعرب لا كتاب لهم ، فشبههم بالحمار يحمل أسفاراً . وبالسبت ، وليس للمسلمين مثله ، فشرع الله لهم الجمعة ، انتهى .
وقال المهايميّ في وجه المناسبة: بيّن الله تعالى أن مقتضى الإيمان الاجتماع على الخير ، لاسيما الشكر على الْإِنْسَاْنية ، لئلا تنقلب حمارية أو بهيمية ، في مقابلة اجتماع أهل الكتاب على الشر ، الذي جرهم إلى الحمارية والبهيمية .
الثاني: قال السيوطي في"الإكليل": في قوله تعالى:
{إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} مشروعية صلاة الجمعة ، والأذان لها ، والسعي إليها ، وتحريم البيع بعد الأذان . واستدل بالآية من قال: إنما يجب إتيان الجمعة على من كان يسمع فيه النداء . ومن قال: لا يحتاج إلى إذن السلطان ، لأنهه تعالى أوجب السعي ، ولم يشترط إذن أحد . ومن قال: لا تجب على النساء لعدم دخولهن في خطاب الذكور . انتهى .