وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ بَعْدُ يَقُولُ: قَالَ النبي -صلى الله عليه وسلم-:"لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ"، وَأَنْكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ الأَوَّلِ. قُلْنَا: أَلَمْ تحدِّثْ أَنهُ لا عَدْوَى؟ فَرَطَنَ بِالحبَشِيَّةِ. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِىَ حَدِيثًا غَيْرَهُ.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن قول أبي سلمة: (فَمَا رأيْته نسِىَ حَدِيثا غيْرَة) بحسب ظنه.
قال ابن حجر: فأما دعوى نسيان أبي هريرة للحديث فهو بحسب ما ظن أبو سلمة،
وقد بينت ذلك رواية يونس التي أشرت إليها.
ورواية يونس التي أشار إليها هي: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يحدِّثُنَا أَنَّ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قالَ:"لا عَدْوَى". فَلا أَدْرِى أَنَسِىَ أبُو هُرَيْرَةَ أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الآخَرَ.
الوجه الثاني: أبو هريرة كان يعلم بالحديثين، لكنه كان يسكت عن أحدهما للمصلحة.
قال ابن حجر: ويحتمل أيضًا أنهما لما كانا خبرين متغايرين عن حكمين مختلفين لا ملازمة بينهما جاز عنده أن يحدث بأحدهما ويسكت عن الآخر حسبما تدعو إليه الحاجة. قاله القرطبي في المفهم. قال: ويحتمل أن يكون خاف اعتقاد جاهل يظنهما متناقضين فسكت عن أحدهما، وكان إذا أمن ذلك حدث بهما جميعًا.
الوجه الثالث: أبو هريرة لم ينفرد بالحديث.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قَالَ:"لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ ".
عَنْ أَنس -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ:"لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ ...." (5)
عَنْ جَابِرٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-:"لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَلا غُولَ".