والحنفية محجوجون في هذا، فقد نقل عن كبار الصحابة أنهم تركوا القياس بخبر الواحد، والتفرقة بين الراوي الفقيه وغيره أمر مستحدث، والذي عليه جماهير العلماء سلفًا وخلفًا أن خبر الواحد إذا ثبت مقدم على القياس، وأيضًا فكون أبي هريرة غير فقيه غير مسلَّم لهم، فمعظم الصحابة ولا سيما المعروفون بالرواية كانوا فقهاء علماء، وقد عده ابن حزم في فقهاء الصحابة، ونقل عنه الحافظ ابن حجر أنه من الطبقة الثانية من أهل الفتيا مع أبي بكر وعثمان وأبي موسى ومعاذ وسعد بن أبي وقاص وغيرهم، وحديث أبي هريرة في المصراة صحيح غاية الصحة، وليس أدل على هذا من أن ابن مسعود - وهو ممن قال الحنفية أنه فقيه - كان يفتي بوفق حديث أبي هريرة، ولهذا أورد البخاري بعد حديث أبي هريرة في المصراة حديث ابن مسعود وهو موقوف عليه، قال: مَنِ اشْتَرَى شَاةً محُمَّلَةً، فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا، وهذا من فقه البخاري وبعد نظره ... وإليك ما قاله صاحب عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان قال: في أثناء الرد على من زعم أن أبا حنيفة خالف بعض الأحاديث الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
وسرد وجوه الاعتذار عن ذلك. الرابع: كون راوي الحديث غير فقيه، وهذا مذهب عيسى بن أبان، وتابعه كثير من المتأخرين، وردُّوا بذلك حديث أبي هريرة في المصراة، وقال أبو الحسن الكرخي ومن تابعه: ليس فقه الراوي شرطًا لتقديم الخبر على القياس، بل يُقبل خبر كل عدل ضابط إذا لم يكن مخالفًا للكتاب أو السنة المشهورة ويُقدم على القياس، قال صدر الإسلام أبو اليسر وإليه مال أكثر العلماء وبسط الكلام على ذلك هو وصاحب التحقيق بما يرجع من كتابيهما.
قال صاحب التحقيق: وقد عمل أصحابنا بحديث أبي هريرة إذا أكل وشرب ناسيًا، وإن كان مخالفًا للقياس، حتى قال أبو حنيفة: لولا الرواية لقلت بالقياس، وقد ثبت عن أبي حنيفة أنه قال: ما جاء عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعلى العين والرأس، ولم ينقل عن أحد من السلف اشتراط فقه الراوي، فثبت أنه قول محدث.