أما فيما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يأخذ بروايتهم، لأن كل واحد موثوق به فيما يروي.
وفي رواية قال: أقلد جميع الصحابيين ولا أستجيز خلافهم، وهو الظاهر من المذهب، فقد قال في كتاب الحيض: أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام، بلغنا ذلك عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، وقال في كتاب الأيمان: إذا نذر بذبح ولده يصح نذره عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، بلغنا نحو ذلك، عن ابن عباس - رضي الله عنه -، وقال: في شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن، أنه
لا يجوز، بلغنا ذلك عن عائشة - رضي الله عنها -، ونظائره في الكتب كثيرة، وهذا لأنهم ما كانوا يفتون جزافًا، وإنما كانوا يفتون سماعًا أو اجتهادًا، فإن كان سماعًا يلزمنا اتباعهم، وهذا ظاهر، وإن كان اجتهادًا فكذلك، لأنهم صحبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعاينوا وشهدوا التنزيل، وشهد لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخيرية، بقوله:"خير القرون قرني الذي أنا فيهم". فيوفقون في الصواب بسبب صحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكونهم خير القرون ما لا يوفق غيرهم؛ ولأنهم عرفوا طريق رسول الله في بيان الأحكام، وشاهدوا الأحوال التي نزلت فيها النصوص، والمحال التي تعتبر باعتبارها الأحكام، فيكون رأيهم أقوى، واجتهادهم أصوب.
الوجه الثاني: هذا الموقف من تقديم القياس على الخبر ليس خاصًا بأبي هريرة عند القائلين به، بل هم يعممونه في كل راوٍ غير فقيه.
الوجه الثالث: القول بعدم فقه أبي هريرة غير صحيح.