قال الذهبي: هذا لا شيء، بل احتج المسلمون قديمًا وحديثًا بحديثه لحفظه وجلالته وإتقانه وفقهه.
الشبهة الثالثة عشر: قول أبي هريرة إذا خالف القياس عند الحنفية.
يقولون: إن أبا هريرة إذا قال بقول وخالف فيه القياس عند الأحناف، قدموا القياس على قول أبي هريرة، وقالوا: أبو هريرة ليس بفقيه، ويستندون إلى حديث المصراة.
قال: أبو إسحاق الفيروزآبادي: سمعت القاضي أبا الطيب يقول: كنا في مجلس النظر بجامع المنصور، فجاء شاب خراساني، فسأل عن مسألة المصراة؛ فطالب بالدليل، حتى استدل بحديث أبي هريرة الوارد فيها، فقال وكان حنفيًا: أبو هريرة غير مقبول الحديث،
والصحابة كلهم عدول ما عدا رجالًا - وعد منهم أبا هريرة وأنس بن مالك.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: حديث المصراة صحيح لا مغمز فيه.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النبي - صلى الله عليه وسلم:"لا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ؛ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ".
الوجه الثاني: الحنفية لا يجمعون على هذا القول في القياس.
فإن جاء حديث من واحد من الصحابة ولم ينقل عن غيره خلاف ذلك، فعن أبي حنيفة رحمه الله ثلاث روايات:
في رواية قال: أقلد منهم من كان من القضاة المفتيين لقوله - صلى الله عليه وسلم:"اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -"، وقد اجتمع في حقهما القضاء والفتوى، فمن كان منهما كعثمان وعليّ والعبادلة الثلاثة وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، ومن كان بمثابتهم أقلدهم، ولا أستجر خلافهم.
وفي رواية قال: أقلد جميع الصحابة إلا ثلاثة منهم أنس بن مالك، وأبو هريرة، وسمرة بن جندب - رضي الله عنهم -. أما أنس فقد بلغني أنه اختلط عقله في آخر عمره، وكان يستفتي من علقمة، وإنما لا أقلد علقمة فكيف أقلد من يستفتي علقمة، وأما أبو هريرة فإنه لم يكن من أئمة الفتوى، بل كان من الرواة فيما كان يروى لا يتأمل في المعنى، وكان لا يعرف الناسخ والمنسوخ، ولأجل ذلك حجر عليه عمر - رضي الله عنه -، عن الفتوى آخر عمره.