فلم يزل كذلك حتى كان المغيرة يومًا في آخر أيامه يخطب على المنبر، فنال من علي بن أبي طالب ولعنه، ولعن شيعته (2) ، فوثب حجر فنعر نعرة أسمعت كل من كان في المسجد وخارجه، فقال له: إنك لا تدري أيها الإنسان بمن تولع، أو هرمت! مر لنا بأعطياتنا وأرزاقنا؛ فإنك قد حبستها عنا، ولم يكن ذلك لك ولا لمن كان قبلك، وقد أصبحت مولَعًا بذم أمير المؤمنين وتقريظ المجرمين، استجابةً لصرخة الثائر. فقام معه أكثر من ثلاثين رجلًا يقولون: صدق والله حجر! مر لنا بأعطياتنا؛ فإنا لا ننتفع بقولك هذا، ولا يجدي علينا، وأكثروا في ذلك.
وأخذ قوم المغيرة يلومونه في احتماله إياه فنزل المغيرة ودخل القصر، فاستأذن عليه قومه، ودخلوا ولاموه في احتماله حجرًا، فقال لهم: إني قد قتلته. قالوا: وكيف ذلك؟ قال: إنه سيأتي أميرٌ بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيهًا بما ترونه، فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شر قتلة. إنه قد اقترب أجلي، وضعف عملي، وما أحب أن أبتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم وسفك دمائهم، فيسعدوا بذلك وأشقى، ويعز معاوية في الدنيا ويذل المغيرة في الآخرة، سيذكرونني لو قد جربوا العمال.
قال عثمان بن عقبة: فسمعت شيخًا من الحي يقول: قد والله جربناهم فوجدناه خيرهم، أحمدهم للبريء، وأغفرهم للمسيء وأقبلهم للعذر، ثم هلك المغيرة سنة خمسين، فجمعت الكوفة والبصرة لزياد، فدخلها، ووجه إلى حجر فجاءه، وكان له قبل ذلك صديقًا، فقال له: قد بلغني ما كنت تفعله بالمغيرة فيحتمله منك، وإني والله لا أحتملك على مثل ذلك أبدًا، أرأيت ما كنت تعرفني به من حب علي ووده، فإن الله قد سلخه من صدري فصيره بغضًا وعداوةً، وما كنت تعرفني به من بغض معاوية وعداوته فإن الله قد سلخه من صدري وحوله حبًا ومودةً (1) ، وإني أخوك الذي تعهد، إذا أتيتني وأنا جالس للناس فاجلس معي على مجلسي، وإذا أتيت ولم أجلس للناس فاجلس حتى أخرج إليك، ولك عندي في كل يوم حاجتان: حاجة غدوة، وحاجة عشية، إنك إن تستقم تسلم لك دنياك ودينك، وإن تأخذ يمينًا وشمالًا تهلك نفسك وتشط عندي دمك، إني لا أحب التنكيل قبل التقدمة، ولا آخذ بغير حجة، اللهم اشهد. فقال حجر: لن يرى الأمير مني