وكذلك قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ 4: 163 [1] الآية ، أي لست أول رسول طرق العالم ، قد تقدمت قبلك رسل أوحيت إليهم كما أوحيت إليك كما قال تعالى: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً من الرُّسُلِ 46: 9 [2] ، فهذا ردّ وإنكار على من أنكر رسالة محمد صلى الله عليه وسلّم مع مجيئه صلى الله عليه وسلّم ولست من الأمور التي لم تطرق العالم ، بل لم تخل الأرض من الرسل وآثارهم ، فرسولكم جاء على منهاج من تقدمه من الرسل في الرسالة لم يكن بدعا.
وكذلك قوله تعالى: وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ من قَبْلِهِمْ 24: 55 [3] ، إخبارا عن عادته سبحانه وتعالى في خلقه ، وحكمته التي لا تبديل لها ، من آمن وعمل صالحا مكّن له في الأرض واستخلفه فيها ولم يهلكه ويقطع دابره كما أهلك من كذب رسله وخالفهم ، وأخبرهم سبحانه وتعالى عن معاملته من آمن برسله وصدقهم ، وأنه لم يفعل بهم كما فعل بمن قبلهم من أتباع الرسل.
وهكذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدو خماصا وتروح بطانا» ، إخبار بأنه سبحانه وتعالى يرزق المتوكلين عليه من حيث لا يحتسبون ، وأنه لا يخليهم من رزق قط كما ترون ذلك في الطير فإنّها تغدو من أوكارها خماصا فيرزقها سبحانه وتعالى حتى ترجع بطانا من رزقه ، فأنتم أكرم على الله سبحانه وتعالى من الطير ومن سائر الحيوانات ، فلو توكلتم عليه سبحانه وتعالى لرزقكم من حيث لا تحتسبون ، ولم يمنع أحدا منكم رزقه ، هذا ما كان من قبيل الإخبار.
وأما في قسم الطلب والأمر ، فالمقصود منه التنبيه على العلة وأن الجزاء من جنس العمل ، فإذا قلت: علم كما علمك الله ، وأحسن كما أحسن الله إليك ، واعف كما عفا الله عنك .. ونحوه ، كان في ذلك تنبيها للمأمور على شكر النعمة التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليه ، وأنه حقيق أن يقابلها بمثلها ويقيدها بشكرها ، وأن جزاء تلك النعمة من جنسها ، ومعلوم أنه يمتنع خطاب الرب سبحانه وتعالى بشي ء
[1] النساء: 163.
[2] الأحقاف: 9.
[3] النور: 55.