وقد يحتج لذلك بقوله تعالى: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ 28: 77 [1] ، ولا ريب أنه لا يقدر أحد أن يحسن بقدر ما أحسن الله إليه، وإنما أريد به أصل الإحسان لا قدره.
ومنه قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ من بَعْدِهِ 4: 163 [2] ، وهذا التشبيه إنما هو في أصل الوحي لا في قدره وفضيلة الموحي به، وقوله تعالى: فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ 21: 5 [3] ، إنما مرادهم جنس الآية لا نظيرها.
وقوله تعالى: وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ من قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ 24: 55 [4] ، ومعلوم أن كيفية الاستخلاف مختلفة، وإنما لهذه الأمة أكمل ما لغيرها.
وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ من قَبْلِكُمْ 2: 183 [5] ، والتشبيه إنما هو في أصل الصوم لا في عينه وقدره وكيفيّته.
وقال تعالى: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ 7: 29 [6] ، ومعلوم تفاوت ما بين النشأة الأولى وهي المبتدأ، وبين الثانية وهي المعاد.
وقال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا 73: 15 [7] ، ومعلوم أن الشبيه في أصل الإرسال لا يقتضي تماثل الرسولية.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقنكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا» ، فالتشبيه هنا في أصل الرزق لا في قدره، ولا في كيفيته، ونظائر ذلك [كثير] .
[1] القصص: 77.
[2] النساء: 163.
[3] الأنبياء: 5.
[4] النور: 55.
[5] البقرة: 183.
[6] الأعراف: 29.
[7] المزمل: 16.