وهكذا ذكر الله سبحانه ، كلما كان العبد به أعرف وله أطوع وإليه أحب, كان ذكره غير ذكر الغافلين واللاهين ، وهذا أمر إنما يعلم بالخبر لا بالخبر ، وفرق بين من يذكر صفات محبوبه الذي قد ملك حبه جميع قلبه ويثني عليه بها ويمجده بها ، وبين من يذكرها إما أمارة وإما لفظاً ، لا يدري ما معناه ، لا يطابق فيه قلبه لسانه ، كما أنه فرق بين بكاء النائحة وبكاء الثكلى, فذكره صلى الله عليه وسلم وذكر ما جاء به, وحمد الله تعالى على إنعامه علينا ومنته
بإرسالة ، هو حياة الوجود وروحه, كما قيل: فأولئك
روح المجالس ذكره وحديثه ... وهدى لكل ملدد حيران
وإذا أخل بذكره في مجلس ... الأموات في الحيان
الخامسة والثلاثون: أنها سبب لعرض اسم المصلي عليه صلى الله عليه وسلم وذكره عنده, كما تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: إن صلاتكم معروضة علي, وقوله:"إن الله وكّل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام"، وكفى بالعبد نبلاً أن يذكر اسمه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد قيل في هذا المعنى:
ومن خطرت منه ببالك خطرة ... حقيق بأن يسمو وأن يتقدما
وقال الآخر:
أهلاً بما لم أكن أهلاً لموقعه ... قول المبشر بعد اليأس بالفرج
لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ... ذكرت ثم على ما فيك من عوج...
السادسة والثلاثون: أنها سبب لتثبت القدم على الصراط ، والجواز عليه, لحديث عبد الرحمن بن سمرة الذي رواه عنه سعيد بن المسيب في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم:"ورأيت رجلاً من أمت يزحف على الصراط ويحبو أحيانا ويتعلق أحياناً ، فجاءته صلاته علي فأقامته على قدميه وأنقذته".
رواه أبو موسى المديني, وبنى عليه كتابه في الترغيب والترهيب ، وقال: هذا حديث حسن جداً.