جواب آخر: وهو أنه قد روي في الأخبار قال: قالت عدة المهاجرين: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم - يعنون الأنصار - يباركوننا في قلتهم وكثرتهم من الخير، لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر لعجزنا عن مكافأتهم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -: «إذا شكرتموهم ودعوتم الله لهم فقد كافأتموهم» فقد يحتمل أن الصلاة عند مخاطبته كانت عادة للجماعة، فيقل ذلك عن بعضهم واكتفى به عن نقله عن جميعهم.
وجواب آخر ثالث: وهو يحتمل أن يقال: إنهم لم يؤمروا بالصلاة عليه إذا خاطبوه، لأن إيجاب الصلاة عليه عند ذكره إنما هو لتعظيمه وتمييزه عن غيره، فلو صلوا عليه عند مخاطبته لكان الله تعالى لا يرضى له مع خلقه العظيم الذي أكرمه به أن لا يجب المصلي عليه بمثل صلاته، وخصوصاً إذا كان فيها أنزل الله عليه: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ} ولو أجابه بذلك لزال معنى التعظيم والتمييز، وبطل قصد المخاطب من صلاته عليه، ولصارت صلاة من يصلي عليه عند مخاطبته درجة له إلى أن يصلي عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ، فيكون قد كافأه بنفسه بجانب التعظيم، فأرسلته عنهم الصلاة عليه من وجهه، لأن المقصود منها ما يتحقق عند المخاطبة وقضى على حال الغيبة عنه إذا ذكر والله أعلم.
ولا يشبه هذا أن شمت العاطس إذا حمد الله ولم يؤمر بالجواب، لأن مشمته ليس بتعظيم له، وإنما هي كرامة، وجزاء الكرامة بمثلها لا يزيل معنى الكرامة مما جزاه.
والتعظيم في هذا يخالف التكريم وبالله التوفيق.
فإن قال قائل: لو كانت الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلّم - واجبة عند ذكره لكان عليه أن يصلي على نفسه، كما أخبر عن نفسه بخبر، ألا ترى أنه لما لزم غيره بالإيمان به، لزمه الإيمان بنفسه، فكذلك الصلاة عليه عند ذكره لو لزمت غيره للزمه ذلك في نفسه؟
فالجواب أن هذا لا يلزم، لأن العاطس إذا حمد الله - عز وجل - استحق على غيره أن يشمته ولم يستحق على نفسه، إذا أخبر على نفسه بخبر، أو انتسب إلى رسالة الله تعالى، ويلزم غيره إذا ذكره أن يصلي عليه والله أعلم.
فإن سأل سائل: عن ذكر النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، إذا تكرر في مجلس واحد مرات، يكفي الصلاة عليه في آخر المجلس مرة واحدة أولاً.