وأما المباركة فإنها فعل الله تعالى، وإنما يكون منا لتبريك، وهو أن يقول: اللهم بارك على محمد.
وأصل البركة الدوام.
وهو من يبرك البعير إذا نهج في موضع يلزمه، وقد يوضع موضع النماء والزيادة، وأصلها ما ذكرنا، لأن تزايد الشيء يوجب دوامه.
فإن الماء إذا أنصب إلى واد وتتابعت بعد ذلك إمداده، قيل: قد دام.
وقد قال الله عز وجل: فيما وصف به الجنة: {أُكُلُهَا دَآئِمٌ} وإنما أراد سابغ لا تنقطع إمداده.
وقد يوضع أيضاً موضع اليمن، ولا ذلك يخالف الأصل الذي ذكرنا، لأن البركة إذا أريد بها الدوام، فإنما يستعمل ذلك فيما يراد ويرغب في ثنائه، لا فيما يكره ويستعجل بثنائه.
ألا ترى أنهم يقولون: فلان مبارك في عمله وماله وولده، إذا كان ما كثر له من ذلك باقياً عنده، ولا يقولون: فلان مبارك في جهله وضره إذا كان ما عرض له ذلك لا يزايله، فلا ينكر على هذا أن يقال للميمون مبارك، بمعنى أنه محبوب ومرغوب فيه والله أعلم.
فإذا قلنا بارك على محمد، فالمعنى اللهم أدم ذكر محمد ودعوته وشريعته وكثر أتباعه وأشياعه، وعرف لقيه من يمنه وسعادته، أن يسبغه فيهم ويدخلهم جناتك ويحلهم دار رضوانك، فيجمع التبريك عليه والدوام والزيادة والسعادة وبالله التوفيق.
(فصل)
إن سأل سائل: عن آل رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ، من هم؟
قيل له: آله قرابته الذين أوجب لهم خمس الخمس، وحرمت عليهم الصدقات المفروضات.
فإن سأل سائل: عن الدليل على ذلك، قيل له: روينا أن فتياناً من بني الحارث بن عبد المطلب أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ، فقالوا استعلمنا على الصدقات نصيب ما تصيب الناس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -: «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، ولكن أنظروا إذا أخذت بخلقه الجنة، هل أوثر عليكم غيركم» .
وفي حديث قال: «أتى النبي - صلى الله عليه وسلّم - بتمر من تمر الصدقة فأمر فيه برميه، ثم قام فحمل الحسين على عاتقه، فسال عليه من لعابه، فنظر فإذا يلوك تمرة من تمر الصدقة، فحرك شدقه وقال: كخ، القها يا بني، أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة» .
ومعلوم أن صدقات المسلمين موضوعة فيهم غير مخرجة إلى غير أهل دينهم، فبان أنه أراد بالآل قرابته الخاصة.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين موجوءين، فذبح إحداهما عن أمته من شهد منهم التوحيد وشهد له بالبلاغة.