وعندما كانت العبودية لله تعالى أسمى وسام للإنسان وصفه سبحانه وتعالى بها في أعلى المقامات، ففي مقام إنزال القرآن عليه قال تعالى:"تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا" [الفرقان: 1] .
وفي مقام الإسراء قال:"سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" [الإسراء: 1] .
وفي مقام الدعوة قال:"وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا" [الجن: 19] .
وحينما كان صلى الله عليه وسلم قد كمل في عبوديته، وبلغ أعلى مراتب طاعة ربه أثر ذلك على من معه من أصحابه رضي الله عنهم حينما سمعوا أقواله ورأوا أفعاله، فوصفه الله مع أولئك الأخيار من المؤمنين بالشدة على الكافرين، والرحمة بالمؤمنين، وبكثرة العبادة، والثناء الجزيل عليه وعليهم المسطر في التوراة والإنجيل، فقال تعالى:"مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا" [الفتح: 29] .
فما أعظمه صلى الله عليه وسلم بعد هذا الثناء الصادق في وصفه، والمدح الناطق بكمال نعته أن يكون قدوة لأمته في قوله وفعله؛ فلذلك قال تعالى في حقه:"لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا" [الأحزاب: 21] .