والأحاديث في هذا كثيرة، فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد صلّى الله عليه وسلم إليهم، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له. وقد أخبر الله تبارك وتعالى في كتابه ورسوله صلّى الله عليه وسلم في السنة المتواترة عنه أنه لا نبي بعده؛ ليعلموا أنّ كلّ من ادّعى هذا المقام بعده فهو كذّاب أفّاك دجّال ضالّ مضلّ، ولو تحرق وشعبذ وأتى
بأنواع السحر والطلاسم والنيرنجيات، فكلها محال وضلال عند أولي الألباب، كما أجرى الله سبحانه وتعالى على يد الأسود العنسي باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة من الأحوال الفاسدة، والأقوال الباردة، ما علم كل ذي لب وفهم وحجى أنهما كاذبان ضالان، لعنهما الله، وكذلك كل مدّع لذلك إلى يوم القيامة حتى يختموا بالمسيح الدجال، فكل واحد من هؤلاء الكذابين يخلق الله تعالى معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها، وهذا من تمام لطف الله تعالى بخلقه فإنهم بضرورة الواقع لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر، إلا على سبيل الاتفاق، أو لما لهم فيه من المقاصد إلى غيره، ويكون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم، كما قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ* تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ الآية [الشعراء: 221، 222] ، وهذا بخلاف حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنهم في غاية البر، والصدق، والرشد، والاستقامة، والعدل فيما يقولونه، ويأمرون به، وينهون عنه، مع ما يؤيدون به من الخوارق للعادات، والأدلة الواضحات، والبراهين الباهرات، فصلوات الله وسلامه عليهم دائما مستمرا، ما دامت الأرض والسموات).
قال ابن كثير: روى ابن جرير عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
«لو كتم محمد صلّى الله عليه وسلم شيئا مما أوحي إليه من كتاب الله تعالى لكتم وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ» .