وقد قال تعالى بعد ذلك عاطفا على النهي، وذلك قوله تعالى: (وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ) ، أي لَا تضرب برجلها ليعلم الناس ما تخفيه من خلخال أو زينة على الساق، وإن النهي عن هذا يتضمن النهي عن الضرب في ذاته بحركة غير محتشمة، تتلوى فيها المرأة تلويا مغريا، ثم إنه يبدي الزينة المغرية المشتهاة، وقد قال الغزالي: إن الصَّبَّ المتيم يثير شهوته سماع صوت الهون تدق به حبيبة.
وفى الجملة: إنه يجب التستر في كل شيء، فلا يبدو منها ما يثير النظر أو الشهوة، وإن النفوس قد تغفل عن بعض هذا الواجب وهو غض البصر، ولذلك ختم الله تعالى الآيتين بقوله: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعَا أَيُّهَ الْمُؤْمِنونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .
أمر الله سبحانه وتعالى بالتوبة مما عساه يكون قد غفلوا عنه من أمر الغض الذي لَا يعلمه إلا علام الغيوب، ولتتطهر منه السرائر، كما تطهرت المظاهر، وقوله تعالى: (جَمِيعًا) ليعم الأمر بالتوبة الذكور والإناث، فقد يدخل البيوت من يظن فيه الخير، وليس خيرا، وقد يكون تأثم من إدخاله إذا تبين فساد نفسه، (لَعَلَّكمْ تُفْلِحُونَ) ، أي تفوزون، والرجاء من العباد، لَا من الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى.
النكاح هو الحصن
(وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(32)
كانت الآيات السابقة فيها ما يصون الأسرة في كيانها، وما فيه صيانة النساء من قول السوء، وأن تمس عفتهن بالأنظار الجارحة، فأمر الرجال بغض البصر، وأمر بأن تكون نظرات النساء غير مغرية لأهل السوء، وألا يكون إبداء الزينة مغريا لأهل الدعارة والفساد، وكل هذا كان لحماية النفوس من الشر، وبعد ذلك بين الأمر الإيجابي الذي يصون المرأة، وهو سبيل العفة، وطريقها، وهو النكاح، فقال عز من قائل:
(وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكمْ وَإمَائِكُمْ) .