والأشبه أن يكون قوله: (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) ، أي: من معالم دين اللَّه وعبادته ونسكه؛ لأن الشعائر هي المعالم في اللغة، خصت بها المناسك دون غيرها من العبادات فجعلها معالم لها، والبدنة سميت: بدنة؛ لما تعظم في أنفسها وتبدن، ويقال للرجل إذا عظم في نفسه: بدن فلان.
وظاهر ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال:"البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعةٍ"أن البدنة هي الجزور والإبل؛ حيث قال:"البدنة تجزئ عن سبعة،"
والبقرة تجزئ عن سبعة"فرق بين البدنة والبقرة بالذكر، واللَّه أعلم."
وقوله (لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) قَالَ بَعْضُهُمْ: المنافع الحاضرة من الركوب، والحلب، والحمل عليها بعد ما قلدت وأوجبت هديًا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) إلى أن تقلد، فإذا قلدت فلهم الأجر في الآخرة، وكأن هذا أشبه، أي: يكون قوله: (لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) أي: الأجر في الآخرة؛ لأن الانتفاع بها لا يحل إذا أوجبت بدنة إلا في حال الاضطرار؛ لأنّه قال في آية أخرى: (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ) ، وفي الانتفاع بها إحلال شعائره؛ لذلك قال أصحابنا: لا ينتفع بالبدن،
وما روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه رأى رجلًا يسوق بدنة، فقال له:"اركبها"فقال: إنها بدنة يا رسول اللَّه، فقال النبي:"اركبها"، فقال: إنها بدنة. فقال:"اركبها ويحك"، وفي بعض الأخبار:"ويلك؛ فهذا عندنا لما رأى بالرجل الحاجة الشديدة إلى ركوبها، وهو ما ذكرنا: أن الانتفاع بها يجوز في حال الاضطرار، ولا يجوز في حال الاختيار؛ إذ الانتفاع بالمحرمات يجوز في حال الاضطرار، فعلى ذلك بالبدن التي جعلت معالم للمناسك، واللَّه أعلم."