وقَالَ بَعْضُهُمْ: سماه: عتيقًا؛ لأنه يرفع إلى السماء الرابعة، فذلك المرفوع هو البيت العتيق. والبيت العتيق - عندنا - هو الذي بناه إبراهيم - صلوات اللَّه عليه - وأسسه، ويكون قوله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الذي أسسه إبراهيم، لا بالبيت الحادث الذي أحدثه الناس؛ ألا ترى أنه روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال لعائشة:"لولا أنَّ قومك حَديثُو عَهْد بالإسْلام لرددت البيت على أساس إبراهيم، وجَعَلتُ لَهُ بابين: بابًا يدخل فيه، وبابًا يخرج منه"، وروي في بعض الأخبار يرويه عبد اللَّه بن الزبير قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -
"إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبَّار"فإن ثبت هذا فهو هو.
وقوله: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ)
قوله: (ذَلِكَ) جائز أن يكون الذي تقدم ذكره
من قوله: (يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ...) إلى آخر ما ذكر ذلك الذي ذكر: (وَمَن يعُطمْ حُرُمَتِ اللَّهِ) .
وجائز أن يكون لا على ذلك، ولكن حرف يذكر عند ختم قصة والفراغ منها مبتدأ، لا على ربط شيء، نحو قوله: (هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ...) ، كذا (وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ...) ، كذا، قوله: (وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ) (وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ) يصح دون ذكر هذا، لكنه ذكر على ختم كلام الأول وابتداء آخر، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ) كذلك.
وقوله: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) كأنه قال: وَمَنْ يُعَظِّمْ حرمات اللَّه، وخرج للحج، وأنفق المال، وأتعب النفس فما له عند ربه من الثواب، فذلك خير له من حفظ ماله وحفظ نفسه، وإلا لا شك أن من عظم حرمات اللَّه خير له ممن لم يعظمها.