وقد كانوا في الجاهلية منهم من يقتل البنات خشية الفقر، وليوفر ما ينفق عليهم لينفقه على نفسه وبيته وبنيه، ويرى النفقة عليهن ضائعة؛ لأنه لا ينتظر منهن سعياً للكسب ولا نصرة على العدو. وهذه هي الموءودة المذكورة في قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير:8 و 9] .
على أنه قد كان من ساداتهم من يحيى الموءودة فيشتريها من عند أبيها، وينجيها من القتل: كزيد بن نفيل القرشي أبي سعيد بن زيد، أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم، وصعصعة بن ناجية التميمي الصحابي جد الفرزدق الشاعر المشهور. وقد كان قتل البنات شائعاً فيهم مستفيضا في قبائل معدودة.
ومنهم - كما في لسان العرب - من كان يئد البنين عند المجاعة. فجاء النهي عن القتل في الآية متعلقا بلفظ الولد شاملاً للبنات والبنين، ومعه السبب الذي كان يحملهم على القتل، وهو خشية الإملاق أي خوف الفقر والإقتار.
(والمملق) هو الذي خرج ماله من يده فلم يبق بها شيء. ومن مادته الملقة وهي الصفاة الملساء. فنهوا عن هذا القتل الفظيع مع ذكر سببه، لتصوير حالتهم بوجه تام، وليتخلص من ذكر السبب إلى إبطاله ورده.
معالجة هذه الرذيلة بإبطال سببها وعظيم قبحها وسوء عاقبتها:
أبطل تعالى خوفهم من الفقر بقوله: {نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} ؛ فأخبر أن رزق الجميع عليه، وأنه متكفل برزق خلقه بما يسر لهم من أسباب جلية أو خفية، لا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى، والكبير والصغير.
كما أنه تعالى هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، كما في الآية السابقة، فهما مرتبطان بهذه المناسبة.
ومن ضلالهم: أنهم نظروا إلى قوة الكبير فحسبوه مرزوقاً من نفسه، فهداهم بقوله: {وَإِيَّاكُمْ} إلى أن الكبار مرزوقون من الله بتقديره وتيسيره.
ولما كان لا فرق بين الكبير والصغير في الحاجة إلى لطف الله، وضمان الرزق من الله، فلا وجه لخوف الفقر من وجود الأولاد وكثرتهم، لأنه ما من واحد منهم إلاّ ورزقه مضمون من خالقه جل جلاله.