وأقول: ليس في السياق ما يفيد هذا التخصيص ، ولا دلّ على ذلك دليل ، ومعنى النظم القرآني واضح ، إن كان الخطاب مع كل من يصلح له من الأمة ، لأن معناه أمر كل مكلف متمكن من صلة قرابته بأن يعطيهم حقهم وهو الصلة التي أمر الله بها.
وإن كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، فإن كان على وجه التعريض لأمته فالأمر فيه كالأوّل ، وإن كان خطاباً له من دون تعريض ، فأمته أسوته ، فالأمر له صلى الله عليه وسلم بإيتاء ذي القربى حقه ، أمر لكل فرد من أفراد أمته ، والظاهر أن هذا الخطاب ليس خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم بدليل ما قبل هذه الآية ، وهي قوله: {وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه} [الأسراء: 23] وما بعدها ، وهي قوله: {وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ المبذرين كَانُواْ إخوان الشياطين} .
وفي معنى هذه الآية الدالة على وجوب صلة الرحم أحاديث كثيرة.
وأخرج أحمد ، والحاكم وصححه عن أنس: أن رجلاً قال: يا رسول الله إني ذو مال كثير وذو أهل وولد وحاضرة ، فأخبرني كيف أنفق وكيف أصنع؟ قال:"تخرج الزكاة المفروضة ، فإنها طهرة تطهرك وتصل أقاربك وتعرف حقّ السائل والجار والمسكين"، فقال: يا رسول الله أقلل لي؟ قال:"فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً"قال: حسبي يا رسول الله.
وأخرج البزار ، وأبو يعلى ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت هذه الآية {وَءاتِ ذَا القربى حَقَّهُ} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فأعطاها فدك.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت {وَءاتِ ذَا القربى حَقَّهُ} أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فدك.
قال ابن كثير بعد أن ساق حديث أبي سعيد هذا ما لفظه: وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده ، لأن الآية مكية ، وفدك إنما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة ، فكيف يلتئم هذا مع هذا؟ انتهى.