ثم علل ما ذكره من البسط للبعض والتضييق على البعض بقوله: {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} أي: يعلم ما يسرون وما يعلنون ، لا يخفى عليه من ذلك خافية ، فهو الخبير بأحوالهم ، البصير بكيفية تدبيرهم في أرزاقهم ، وفي هذه الآية دليل على أنه المتكفل بأرزاق عباده ، فلذلك قال بعدها: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إملاق} أملق الرجل: لم يبق له إلاّ الملقات ، وهي الحجارة العظام الملس ، قال الهذلي يصف صائداً:
أتيح لها أقيدر ذو خشيف... إذا سامت على الملقات ساما
الأقيدر تصغير الأقدر: وهو الرجل القصير ، والخشيف من الثياب: الخلق ، وسامت: مرّت ، ويقال: أملق: إذا افتقر وسلب الدهر ما بيده.
قال أوس:
وأملق ما عندي خطوب تنبل... نهاهم الله سبحانه عن أن يقتلوا أولادهم خشية الفقر ، وقد كانوا يفعلون ذلك ، ثم بيّن لهم أن خوفهم من الفقر حتى يبلغوا بسبب ذلك إلى قتل الأولاد لا وجه له ، فإن الله سبحانه هو الرازق لعباده ، يرزق الأبناء كما يرزق الآباء ، فقال: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} ولستم لهم برازقين حتى تصنعوا بهم هذا الصنع ، وقد مرّ مثل هذه الآية في الأنعام ثم علل سبحانه النهي عن قتل الأولاد لذلك بقوله: {إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} .
قرأ الجمهور بكسر الخاء وسكون الطاء وبالهمز المقصور.
وقرأ ابن عامر (خطأ) بفتح الخاء والطاء والقصر في الهمز ، يقال: خطئ في دينه خطئاً: إذا أثم ، وأخطأ: إذا سلك سبيل خطأً عامداً أو غير عامد.
قال الأزهري ، خطئ يخطأ خطئاً ، مثل: أثم يأثم إثماً ، إذا تعمد الخطأ ، وأخطأ: إذا لم يتعمد إخطاء وخطأ ، قال الشاعر:
دَعِيني إنمَّا خَطْئِي وصَوْبِي... عليَّ وأَنَّ مَا أهلكتُ ، مالُ
والخطأ: الاسم يقوم مقام الأخطاء ، وفيه لغتان: القصر ، وهو الجيد ، والمدّ وهو قليل.
وقرأ ابن كثير بكسر الخاء وفتح الطاء ومد الهمز.