ويتحصل من ذلك مشروعية التوسط ، وهو العدل الذي ندب الله إليه:
ولا تك فيها مُفْرِطاً أو مفَرِّطا... كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وقد مثّل الله سبحانه في هذه الآية حال الشحيح بحال من كانت يده مغلولة إلى عنقه ، بحيث لا يستطيع التصرّف بها ، ومثّل حال من يجاوز الحدّ في التصرف بحال من يبسط يده بسطاً لا يتعلق بسببه فيها شيء مما تقبض الأيدي عليه ، وفي هذا التصوير مبالغة بليغة.
ثم بيّن سبحانه غائلة الطرفين المنهيّ عنهما فقال: {فَتَقْعُدَ مَلُومًا} عند الناس بسبب ما أنت عليه من الشح {مَّحْسُوراً} بسبب ما فعلته من الإسراف ، أي: منقطعاً عن المقاصد بسبب الفقر ، والمحسور في الأصل: المنقطع عن السير ، من حسره السفر إذا بلغ منه ، والبعير الحسير: هو الذي ذهبت قوّته فلا انبعاث به ، ومنه قوله تعالى: {يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} [الملك: 4] .
أي: كليل منقطع ؛ وقيل: معناه نادماً على ما سلف ، فجعله هذا القائل من الحسرة التي هي الندامة ، وفيه نظر ، لأن الفاعل من الحسرة: حسران.
ولا يقال محسور إلاّ للملوم.
ثم سلى رسوله والمؤمنين بأن الذين يرهقهم من الإضافة ليس لهوانهم على الله سبحانه ، ولكن لمشيئة الخالق الرازق فقال: {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ} أي: يوسعه على بعض ويضيقه على بعض لحكمة بالغة لا لكون من وسع له رزقه مكرماً عنده ، ومن ضيقه عليه هائناً لديه.
قيل: ويجوز أن يراد أن البسط والقبض إنما هما من أمر الله الذي لا تفنى خزائنه.
فأما عباده فعليهم أن يقتصدوا.