العرب كانوا يقتلون البنات لعجز البنات عن الكسب ، وقدرة البنين عليه بسبب إقدامهم على النهب والغارة ، وأيضاً كانوا يخافون أن فقرها ينفر كفأها عن الرغبة فيها فيحتاجون إلى إنكاحها من غير الأكفاء ، وفي ذلك عار شديد فقال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ} وهذا لفظ عام للذكور والإناث ، والمعنى: أن الموجب للرحمة والشفقة هو كونه ولداً ، وهذا المعنى وصف مشترك بين الذكور وبين الإناث.
وأما ما يخاف من الفقر من البنات فقد يخاف مثله في الذكور في حال الصغر ، وقد يخاف أيضاً في العاجزين من البنين.
ثم قال تعالى: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} يعني الأرزاق بيد الله تعالى فكما أنه تعالى فتح أبواب الرزق على الرجال ، فكذلك يفتح أبواب الرزق على النساء.
المسألة الثالثة:
الجمهور قرؤا {إن قتلهم كان خطأ كبيراً} ، أي إثماً كبيراً يقال خطئ يخطأ خطأ مثل أثم يأثم إثماً قال تعالى: {إِنَّا كُنَّا خاطئين} [يوسف: 97] أي آثمين ، وقرأ ابن عامر (خطأ) بالفتح يقال: أخطأ يخطئ إخطاء وخطأ إذا أتى بما لا ينبغي من غير قصد ، ويكون الخطأ اسماً للمصدر ، والمعنى: على هذه القراءة أن قتلهم ليس بصواب.
قال القفال رحمه الله ، وقرأ ابن كثير: {خطاء} بكسر الخاء ممدودة ولعلهما لغتان مثل دفع ودفاع ولبس ولباس.
{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) }
اعلم أنه تعالى لما أمر بالأشياء الخمسة التي تقدم ذكرها ، وحاصلها يرجع إلى شيئين: التعظيم لأمر الله ، والشفقة على خلق الله ، أتبعها بذكر النهي عن أشياء.
أولها: أنه تعالى نهى عن الزنا فقال: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنا} قال القفال: إذا قيل للإنسان لا تقربوا هذا فهذا آكد من أن يقول له لا تفعله ثم إنه تعالى علل هذا النهي بكونه: {فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً} .