3 -وقال تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22] كان أبو بكر - رضي الله عنه - ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره، فقال: والله لا أنفق عليه أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} إلى قوله: {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22] فقال أبو بكر: والله، إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح بالنفقة التي كان ينفق عليه فقال: والله لا أنزعها منه أبدًا.
تدبر رحمة رب العالمين؛ يأمر أبا بكر بالصفح عن من وقع في عرض ابنته، فأي عفو وأي رحمة أوسع من التي جاءت في شرع العفو الرحيم سبحانه؟!
4 -وقال تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13]
وهذا أمر من الله - عز وجل - نبيَّه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالعفو عن هؤلاء القوم الذين هَمُّوا أن يبسطوا
أيديهم إليه من اليهود، يقول الله - جل وعز - له: اعف، يا محمد، عن هؤلاء اليهود الذين هَمُّوا بما هَمُّوا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك بالقتل، واصفح لهم عن جُرْمهم بترك التعرُّض لمكروههم، فإني أحب من أحسنَ العفو والصَّفح إلى من أساء إليه، ما لم يَنْصِبُوا - أي اليهود - حربًا دون أداء الجزية، ويمتنعوا من الأحكام اللازمَة منهم.
قلت: وهذا ليس صفحًا عاديًّا؛ فإن اليهود من أشد الناس عداوة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وللذين آمنوا، قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82] . فإذا أمرت بالصفح عن من أساء إليك فهذا عين الخير، لكن إن أمرت به تجاه عدوك فهذا ذروة سنامه. وقال: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [البقرة: 109] ، وقال: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التغابن: 14] ، وقال: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران: 134] .