هذا .. وإن الخوارج عندما ينظرون إلى القرآن لا يتعمقون فِي التأويل ولا يغوصون وراء المعاني الدقيقة، ولا يكلِّفون أنفسهم عناء البحث عن أهداف القرآن وأسراره، بل يقفون عند حرفية ألفاظه، وينظرون إلى الآيات نظرة سطحية، وربما كانت الآية لا تنطبق على ما يقصدون إليه، ولا تتصل بالموضوع الذي يستدلون بها عليه، لأنهم فهموا ظاهراً معطلاً، وأخذوا بفهم غير مراد.
ولقد يعجب الإنسان ويدهش عندما يقرأ ما للقوم من سخافات فِي فهمهم لبعض نصوص القرآن، أوقعهم فيها التنطع والتمسك بظواهر النصوص، ولكى لا أُتهم بالقسوة فِي حكمى هذا، أضع بين يدي القارئ الكريم بعض ما جاء عن القوم، حتى لا يجد مفراً من الحكم عليهم بمثل ما حكمت به.
"رُوىَ أن عبيدة بن هلال اليشكرى اتُهِمَ بامرأة حدَّاد رأوه يدخل منزله بغير إذنه، فأتوا قطرياً فذكروا ذلك له، فقال لهم: إن عبيدة من الدين بحيث علمتم، ومن الجهاد بحيث رأيتم، فقالوا: إنَّا لا نقاره على الفاحشة، فقال: انصرفوا .. ثم بعث إلى عبيدة فأخبره وقال: إنَّا لا نقار على الفاحشة، فقال: بهتونى يا أمير المؤمنين فما ترى؟ قال: إنى جامع بينك وبينهم، فلا تخضع خضوع المذنب، ولا تتطاول تطاول البرئ .. فجمع بينهم فتكلموا، فقام عبيدة فقال: بسم الله الرحمن الرحيم: {إِنَّ الَّذِينَ جَآءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} ... الآية [11] وما بعدها من سورة النور - فبكوا وقاموا إليه فاعتنقوه وقالوا: استغفر لنا .. ففعل".