قال تعالى"قُلْ"يا سيد الرّسل لهؤلاء الفجرة هب أني أذن كما تقولون ، ولكن"أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ"أسمع ما هو صالح لكم لا ما هو شرّ وفساد ، والمعنى أنكم كما تقولون ، ولكنه نعم الأذن ، لأنه مسمع خير لا على الوجه الذي تذمّونه به ، لأنه يقبل منكم ما تقولون وتعتذرون به ، مع علمه أنه خلاف الواقع لكرم أخلاقه وعلو آدابه ، فإنه يتغافل عما لا يليق ولا يريد أن يكذبكم وقرئ (أذن وخير) بالتنوين وبلا تنوين أذن ، وجرّ خير بالإضافة كقولك رجل صدق ،
وشاهد عدل ، فإنه يجوز فيهما الحالان.
ثم ذكر بعض أوصاف حضرة الرّسول الذي يريدون مس كرامته مسهم اللّه بناره ، فقال"يُؤْمِنُ بِاللَّهِ"ويوقن بوعده ويوفي بعهده ويصدق بوحدانيته"وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ"بصدقهم ويخشى ظنه بهم ويريد لهم الخير ، وقد جاءت التعدية أولا بالباء لأن الإيمان باللّه نقيض الكفر فلا يتعدى إلّا بالباء ، وثانيا باللام لأنه عبارة في تصديق المؤمنين ، فلا يتعدى إلا باللام ، تأمل.
واعلم أن القرآن هو مصدر العربية ومن بحره أخذ علماؤها قواعدها ووضعوا أصولها ، وإياك أن تتصور العكس فيعكس عليك.
قال تعالى أنؤمن لك الآية 112 وقال آمنتم له الآية 47 من سورة الشّعراء ج 1 ، وقال (وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا) الآية 17 من سورة يوسف في ج 2 بما يدل على ذلك وغيرها في القرآن كثير"وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ"إيمانا كاملا لا نفاقا ، وسمي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رحمة لأنه يحمل أحكام النّاس على الظّاهر ، ولا ينقب عن بواطن أحوالهم ، ولا يهتك أسرارهم.