ثم بين تعالى بيانه ما يحوك في صدورهم بقوله"لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً"يلجأون إليه"أَوْ مَغاراتٍ"يختفون بها عنكم"أَوْ مُدَّخَلًا"نفقا وسربا في الأرض يندسون فيه ، أو شيئا آخر يتحصنون به منكم أو يتغيبون عن وجوهكم"لَوَلَّوْا إِلَيْهِ"سراعا وتحرزوا به وتركوكم"وَهُمْ يَجْمَحُونَ" (57) يقفزون هربا للتخلص من رؤيتكم لا يردهم شيء كالفرس الجموح العزوم لشدة بغضهم إيّاكم ، ولكنهم لم يجدوا شيئا من ذلك ، فاضطروا إلى البقاء معكم ، وشرعوا يختلفون الطّرق التي تقنعكم بأنهم صاروا مثلكم في الإيمان ، ويؤكدوه لكم ذلك بما يرضيكم من صنوف التملق والتودد لكم بأيمانهم الكاذبة وتقاتهم تقية لكم ومنكم ، وفي الحقيقة هم أشد النّاس كراهة لكم"وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ"يا حبيبي"فِي الصَّدَقاتِ"يعيبك ويطغى عليك في قسمتها وإعطائها أناسا دون أناس ، ويسخرون فيما بينهم عليك في ذلك كأنك لم تعدل بها ولم تعطها لمستحقيها ، ولكنهم"فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا"
وسكتوا ، فلم يحمدون ، ولم يذكروك بسوء"وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ" (58) فيتفوهون عليك لما لا يرضي بقصد تنفير النّاس عنك.
روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحن عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو يقسم فيئا ، أتاه ذو الخويصرة (حرخوص بن زهير التميمي) فقال يا رسول اللّه اعدل ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم ويلك من يعدل إذا لم أعدل ؟ وفي رواية قد خبت وخسرت إن لم أعدل ، فقال عمر رضي اللّه عنه وأرضاه ائذن لي لأضرب عنقه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم.
وقيل إن القائل أبو الجواض المنافق أو رجل من البادية.
وقيل إن المنافقين قالوا ما يعط محمد الصّدقة إلّا من يحب.