و مع هذا"فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ"اقبلوهم لأنهم صاروا مثلكم ، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم فأنتم وإياهم بالحقوق سواء ، لأنهم صاروا إخوانكم"فِي الدِّينِ"الجامع بينكم ، ولا تكرار في هذه الآية أيضا لأن الأولى سيقت إثر الأمر بالقتل وشبهه فكان جوابها أمرا وهو"فَخَلُّوا"وهذه الآية سيقت بعد الحكم عليهم بالاعتداء فكان جوابها حكما وهو"فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ"لتساويهم في أحكامه وهذه أجلب لقلوبهم من تلك للفرق الظّاهر بين تخلية سبيلهم وبين إثبات الأخوة الدّينية لهم ، وفيها دلالة على تحريم دماء أهل القبلة"وَنُفَصِّلُ الْآياتِ"الدالات على أحكامنا في خلقنا ونبيّنها بيانا كافيا ونوضحها توضيحا شافيا"لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" (11) معانيها ويفقهون مداركها.
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال لما توفي النّبي صلّى اللّه عليه وسلم واستخلف أبا بكر رضي اللّه عنه
وكفر من كفر من العرب ، قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لأبي بكر حينما رآه مصرا على قتال مانعي الزكاة كيف نقاتل النّاس وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أمرت أن أقاتل النّاس حتى يقولوا لا إله إلّا اللّه فمن قال لا إله إلّا اللّه فقد عصم مني ماله ونفسه إلّا بحقه وحسابه على اللّه عز وجل ؟ فقال أبو بكر واللّه لأقاتلنّ من فرق بين الصّلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، واللّه لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها - وفي رواية عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم - لقاتلتهم على منعها فقال عمر فو اللّه ما هو إلّا أني رأيت أن اللّه شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق ، أي ان أبا بكر أخذ في هذه المقارنة بين الصّلاة والزكاة ، فإن من جحد الصّلاة فقد حل قتله ، وكذلك من يجحد الزكاة وهو اجتهاد صائب ورأي ثاقب في فطنة حادة وفقه منه وذكاء وفراسة.