تبدأ المجموعة الأولى بأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يقول لهؤلاء الذين حرّموا ما رزقهم الله افتراء على الله، أنّه لا يجد في الوحي المنزّل عليه حراما على آكل يأكله إلا الميتات، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أهلّ به لغير الله، والمراد من سياق هذه الآية الكريمة الردّ على المشركين وأمثالهم ممّن يحرّمون - بآرائهم الفاسدة - ما لم يحرّمه الله، ثمّ بيّن تعالى أنّه حتى هذه المحرّمات أباحها الله عند الاضطرار، إذا لم يتلبس آكلها
ببغي وعدوان؛ وذلك من كمال غفرانه ورحمته، هذا في كتاب الله الذي أنزله الله على محمد صلّى الله عليه وسلّم، وأمّا في الكتاب الذي أنزله الله من قبل فقد ذكر الله - عزّ وجل - أنّه حرّم على اليهود كل ذي ظفر من البهائم والطير، ما لم يكن مشقوق الأصابع كالإبل، والنّعام، والإوز، والبطّ، وغير ذلك مما سيأتي، كما حرّم عليهم شحوم البقر، والغنم، والماعز، إلا ما كان شحما في ظهر، أو شحما في حوية، وسيأتي معناها، أو شحما مختلطا بعظم فهذا مباح لهم، وتحريم هذه الأشياء لم يكن لضرر فيها، وإنما كان عقوبة لهم على بغيهم ومخالفتهم أوامر الله، من أجل ذلك كان التضييق.
إذن فذاك الذي حرّم الله في القرآن، وهذا الذي حرّم في التوراة من قبل. فمن ادّعى أنّ الله حرّم غير هذا المذكور فأين دليله؟ وقد أمر الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم في حالة التكذيب أن يذكر بأنّ رحمة الله واسعة، ولكنّ بأسه لا يردّ عن القوم المجرمين، فلا يطمعنّ أحد من هؤلاء المجرمين برحمته، ولا شكّ أنّ المشركين ليس لهم دليل على أنّ الله حرّم شيئا مما حرموا ولذلك فإنهم يفرون إلى المشيئة، ولذلك فهم يدّعون أن ما هم عليه من الشرك ومن تحريم ما حرموا إنما هو بمشيئة الله، وكونه بمشيئة الله فذلك علامة رضاه وتشريعه، وهذا ذروة التكذيب، إذ بهذا الزعم يكون كل ما فعله البشر شرعا لله، وبالتالي فليس هناك حاجة للرسل، وفي هذا تكذيب للرسل في كل ما جاءوا به.