وروى البيهقي في"سننه"عن أبي أمامة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه
قال:"تَزَوَّجُوا؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ، وَلا تَكُوْنوُا كَرُهْبَانِ النَّصَارَى".
وروى ابن أبي شيبة عن أبي عبد الرحمن السلمي التابعي الجليل - مرسلاً - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا آمُرُكُمْ أَنْ تَكُوْنُوا قِسِّيْسِيْنَ وَرُهْبَاناً".
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا صَرُوْرَةَ فِي الإِسْلامِ".
قال الخطابي رحمه الله تعالى: هذا الحديث يفسر تفسيرين:
أحدهما: أن الصرورة: الذي انقطع عن النكاح، وتبتل على طريق النصارى.
والثاني: أنَّ الصرورة: من لم يحج.
وقال الأزهري: الصرورة الذي لم يحج.
قال: ويقال أيضاً للرجل الذي لم يتزوج، ولم يأت النساء: صرورة لصره على ماء ظهره.
وقد تقدم في التشبه بالشيطان حديث عكاف، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - له:"ألكَ زَوْجَةٌ؟".
قال: لا.
قال:"وَلا جَارِيَةٌ؟".
قال: لا.
قال:"وَأَنْتَ صَحِيْحٌ مُوْسِرٌ؟".
قال: نعم، والحمد لله.
قال:"فَإِنَّكَ مِنْ إِخْوَانِ الشَّيَاطِيْن، إِنْ كُنْتَ مِنْ رُهْبَانِ النَّصَارَى فَالْحَقْ بِهِمْ، وَإِنْ كُنْتَ مِنَّا فَاصْنَعْ كَمَا نَصْنعُ؛ فَإِنَّ مِنْ سُنَّتِنَا النِّكَاحَ".
واعلم أنَّ النكاح مستحب على الجملة باتفاق.
وقال داود بوجوبه على الرجل والمرأة مرةً.
وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه باستحبابه على كل حال.
وقال مالك والشافعي: هو مستحب لمحتاج إليه يجد أُهبته.
وقال أحمد: متى تاقت نفسه إليه، وخشي العَنَت وجب هو أو
التسري، وبه قال آخرون.
قال شيخ الإسلام الوالد: وهذا غير بعيد.
وأما قوله تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [سورة المزمل: 8] ، فلا يراد به ترك النكاح بإجماع المفسرين، بل قيل: هو الانقطاع إلى الله، وهو موافق لأصل معنى التبتل في اللغة.