إذن إن نظرت إلى تكليفات الله لوجدتها لصالحك أنت فلا يظنن ظان أن الدين إنما جاء ليقف أمام نفسه هو ، فالدين وقف أمام النفس لدى الناس جميعاً ، فحين يأمرك: ألاّ تمد يدك إلى مال غيرك فأنت واحد من الناس ، وفي هذا القول أمر موجه لكل الناس: لا تمدوا أيديكم إلى مال فلان لتسرقوه . فانظر إلى أن الحق حين شرع عليك شرع لك . ولذلك يجب أن يكون كل قيامك لله سبحانه . ولذلك يظهر الحق سبحانه وتعالى في بعض خلقه أشياء وأحداثاً تُفهم الناس أن الذي يعمل لخلق الله مسلوب النعيم ، والذي يعمل لله يكون موصول النعيم ؛ فنجد الواحد من الناس يقول:"لقد صنعت لفلان كذا وكذا وكذا وأنكرني". نقول له: أنت تستحق لأنك صنعت له ، ولكنك لو صنعت لله لكفاك الله كل أمر . ولذلك يقول الحق عن هؤلاء الذين صنعوا لله: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً} [آل عمران: 30]
إذن فالمؤمن يجب أن يوضح حركة قيامه وينميها ، بمعنى أن يجعل كل حركته لله ؛ فإن كانت كل حركته لله ، فالله سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا . والخاسرون هم الذين يعملون للناس ؛ لأن الناس لا يملكون لهم نفعاً وربما تخلوا عنهم وربما أضمرت وحملت قلوبهم الضغن والحقد لمن أحسن إليهم ، وربما تحولوا إلى أعداء لهم ، فالمصنوع له الجميل قد يعطيه الله بعضاً من الجاه ، وحين يلقى صانع الجميل بعد ذلك قد تتخاذل نفسه وتذل ، ونرى في بعض الأحيان واحداً يجلس بين الناس وقد أخذته العزة ، ثم يدخل عليه إنسان كان له فضل عليه ، وساعة يراه يكره وجوده في مجلسه ، ويتمنى ألا يحدث هذا اللقاء ؛ وإذا ما لقيه بعد ذلك في طريق فهو يشيح بوجهه ؛ لأن الذي صنع الجميل يسبب حرجاً له ، ويجعل نفسه تتضعضع ، وهو يريد أن يستكبر على الناس .
إذن فالله يوضح: اعملوا لله ؛ لإنه لا يضيع عنده شيء . واعلموا أن الله رقيب عليكم ولن يضيع عملٌ عنده .