فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتَ تَأْمُرُ الْمُحْرِمَ الَّذِي لَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ وَأَرَادَ الْإِحْلَالَ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ مُتَشَبِّهًا بِالْحَالِقِينَ وَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ ، فَهَلَّا أَمَرْت الْمَحْبُوسَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ وَالتُّرَابِ أَنْ يُصَلِّيَ مُتَشَبِّهًا بِالْمُصَلِّينَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُصَلِّيًا وَكَمَا تَأْمُرُ الْأَخْرَسَ بِتَحْرِيكِ لِسَانِهِ بِالتَّلْبِيَةِ اسْتِحْبَابًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُلَبِّيًا قِيلَ لَهُ: الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَفْعَالَ الْمَنَاسِكِ قَدْ يَنُوبُ عَنْهُ الْغَيْرُ فِيهَا فِي حَالٍ فَيَصِيرُ حُكْمُ فِعْلِهِ كَفِعْلِهِ ، فَجَازَ أَنْ يَنُوبَ عَنْ الْحَلْقِ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْغَيْرُ عَنْهُ فَيُجْزِي ، وَكَذَلِكَ تَلْبِيَةُ الْغَيْرِ قَدْ تَنُوبُ عَنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي حَالِ الْإِغْمَاءِ ، فَلِذَلِكَ اُسْتُحِبَّ لَهُ
تَحْرِيكُ لِسَانِهِ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُلَبِّيًا إذَا كَانَ أَخْرَسَ.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا يَنُوبُ عَنْهُ فِيهَا غَيْرُهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ مَا لَيْسَ بِصَلَاةٍ مُتَشَبِّهًا بِالْمُصَلِّينَ فَيَصِيرُ هَذَا الْفِعْلُ وَتَرْكُهُ سَوَاءً لَا مَعْنَى لَهُ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِبَّهُ.
فَإِنْ احْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ فِي قِصَّةِ قِلَادَةِ عَائِشَةَ حِينَ ضَلَّتْ وَأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ لِطَلَبِ الْقِلَادَةِ صَلَّوْا بِغَيْرِ تَيَمُّمٍ وَلَا وُضُوءٍ وَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ فِعْلَهَا بِغَيْرِ وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ.